مقالات

مقال نشر في أموال الغد بتاريخ 25 أكتوبر 2018

عانت الأمة العربية عبر تاريخها الحديث من كبوات وإخفاقات بدءاً من الحقبة الاستعمارية وما تلاها من حروب خارجية وداخلية فرضتها ظروف دولية ومحلية خلقا واقعا متراكما من الإحباطات التي انعكست في حالات تذمر شعبية ومؤامرات دولية مستفيدة من هذه الإخفاقات، وهو ما أوصل العالم العربي منذ حوالي السبع سنوات الماضية لحالة تذمر عامة واضطرابات أمنية عنيفة اصطلح عليها بمسمى الربيع العربي، وهي المرحلة التي مازالت فاعلة حتى هذه اللحظة ببعض الدول العربية، ويعاني منها الملايين سواء بالدول المتعرضة لهذه الأزمات أو الدول العربية الأخرى ولا سيما المتأثرة كدول الجوار.

التخطيط الاستراتيجي

ومن هنا فإنه يتعين على القيادات العربية أن تتبنى استراتيجيات فعالة ذات أثر عاجل واستراتيجي لمعالجة واستيعاب آثار هذه المرحلة والاستعداد لما يليها من مراحل إعادة البناء والإعمار. ولا بد للخطط الاستراتيجية أن تراعي المحاور الأمنية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية  بنهج شمولي وتكاملي وكوحدة متكاملة.

ومن الأهمية أن يتم التركيز في هذه الخطط على بناء منظومة نتائج براجماتية محورها المواطن العربي، أي أنه ولكسب المصداقية لدى الشارع العربي ونيل الولاء الجماهيري والزخم الشعبي، لا بد أن تشتمل الحلول المطروحة على مبادرات عملية ذات أبعاد نفعية ملموسة وعاجلة وتظهر بسرعة للعيان. كما يجب أن تحمل الحلول في تلك الخطط للمواطن العربي رسالة واضحة وقوية تؤكد أنها صممت من أجله ومن أجل استقراره كي يتفاعل معها وتغدو ميدانا للالتقاء معه بعد أن كانت الأوضاع الاقتصادية أحد أهم أسباب السخط الشعبي والغضب التي لا يجب أن نسمح لهذه الظروف السيئة بالعودة مرة أخرى.

الأمر لم يعد اختيارا

ما كان اختيارياً بالأمس أضحى ضرورة اليوم، فضرورة إعادة البناء سترفع مستوى جرأة صانعي السياسات والقرارات وتدفعهم نحو تبني سياسات وإجراءات توصل الواقع العربي الحالي نحو التغيير الجذري العميق وتخلق قابلية لدى الشعوب لتتحمل فاتورة إعادة البناء خروجا من عنق الزجاجة وتطلعا لواقع أفضل ومستقبل مشرق منافس يتيح للأجيال القادمة الاستفادة من تلك الخطط والبرامج ولينهي صفحة مؤلمة من التاريخ العربي التي حفلت بالكثير من الخسائر والأضرار المادية والمعنوية وتنظر للغد بشكل أكثر إشراقا وتتوقع الأفضل.

الواقع الحالي يفرض على القادة والحكومات والسياسيين والاقتصاديين العرب واقعا ملزماً للعمل على حل المشكلات وأسبابها وإيقاف النزيف الأمني والخسائر البشرية والمادية والمعنوية من أجل الدخول لمرحلة ما بعد الاستقرار وبدء إعادة البناء والإعمار تستهدف التطوير الشامل في الدول العربية، ولا سيما المتأثرة بهذه الموجة التي شغلت العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

دور تقنيات الثورة الصناعية الرابعة

التكنولوجيا اليوم بمثابة الترس الرئيسي الذي يدير عجلة التنمية المستدامة. ومن الواجب على الدول العربية دراسة قدرات التكنولوجيا الحديثة المعروفة اصطلاحا بتقنيات الثورة الصناعية الرابعة وتوظيفها كأداة لتحقيق أهداف إعادة البناء والإعمار، ولا سيما آليات وأدوات الاقتصاد الرقمي وأثره على برامج إعادة الإعمار.

التكنولوجيا اليوم هي أفضل الأدوات الممكنة لبناء الاقتصادات بالدول الكبرى، والدول النامية أكثر احتياجا لهكذا تكنولوجيا من أجل تسريع وتمكين قدرات الدول على إعادة هيكلة نظمها الإدارية والمالية والاقتصادية نظرا لقدرتها الشمولية على الوصول بسهولة وسرعة لكافة أرجاء الدولة ولكافة السكان بسهولة وخاصة إذا ما تم مقارنتها بالوسائل الأخرى.

أي أنه ينبغي أن يتم استغلال التكنولوجيا في تعزيز البنى التحتية لتطوير قطاعات الخدمات الصحية والاجتماعية والحكومية والصناعية والزراعية وغيرها، لا سيما بعض التطبيقات الحديثة الحالية في توفير الغذاء والطاقة وتوفير المياه.

سيمفونية الأداء المشترك

ثم بالتزامن مع كل ذلك، على الدول العربية أن تعمل على تمكين تفعيل وتكامل الخدمات الحكومية مع بعضها البعض ومع القطاع الخاص. ولا بد أن من مراعاة تصميم تصور معتمد ليس فقط على تقديم الخدمات للموطنين بل ومساعدتهم في تحسين جودة حياتهم ورفع كفاءتهم، وليكون الدور الذي تلعبه الخطط الاستراتيجية إيجابيا وبناءاً وموافقا لحركة التقدم العالمية.

وبشكل عام، لا بد للدول العربية أن تعمل على تفعيل الأدوار المختلفة لكل الأطراف المشاركة مثل المؤسسات الحكومية والجهات التشريعية والمستثمرين والقطاع الخاص والأكاديميات والجامعات والبحث العلمي، ومن الأهمية أن تتبع نهجا علمياً مدروسا في التخطيط الاستراتيجي لتشجيع الجهات الممولة والمستثمرين على الاستثمار الآمن وضخ الأموال في شرايين الاقتصاد العربي ولغايات إعادة الهيكلة والإعمار.

التكامل الاقتصادي العربي

التكامل الاقتصادي العربي فرض عين، لم نحسن استغلاله بالماضي، فهو يفسر ضعف وتراجع الحالة الاقتصادية والاجتماعية العربية الحالية، وليس بعيدا أن نستنتج أن تراجع قدرة مشاريع التكامل الاقتصادي العربي عن الوصول لمقاصدها قد ساهمت في عجز العديد من الدول العربية في تقزم قدراتها الاقتصادية وعجزها عن تلبية طموحات شعوبها مما كان أحد مبررات خروجهم في ثورات وقلاقل وأتاحت الفرصة للمتربصين لإذكاء الغضب وتحريك المجموعات الغاضبة لتزيد النار اشتعالاً.

فلا بد من اكتشاف طرق جديدة ودراسة ما أوجدته ووفرته الثورة الصناعية الرابعة وتوظيفها لتعظيم القدرات البشرية والانسانية واستحضار التكامل العربي مرة أخرى ليكون في موقعه بمقدمة أولويات الدول العربية شعوبا وحكومات.

الدول العربية أمامها فرصة كبيرة لتعزيز اقتصاداتها الوطنية وزيادة الجاذبية الاستثمارية، وخدمة مواطنيها وتحسين ظروفهم المعيشية وهو ما يستدعي في خلاصة التخطيط الاستراتيجي من أجل التحول إلى اقتصاد رقمي قائم على المعرفة ومرتكز على الإبداع والابتكار برؤية متوسطة المدى لتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية للمواطن العربي، وتستهدف حماية مستقبل الأجيال المقبلة على المدى البعيد.

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

مقال نشر في أموال الغد بتاريخ 20 نوفمبر 2018

من الطبيعي أن نجد كافة الدول والحكومات ترغب بالتفوق الاقتصادي والعلمي وأن تلبي أجندة التنمية المستدامة كي يتم تحسين جودة حياة البشر ويسود الرخاء والأمن والطمأنينة ويزول القلق من ندرة الموارد وشحها وخطورة المنافسة عليها وما تؤدي به تلك المنافسة لتصل لحد الصراع وقد تتصَّعد لمستوى الحروب بمستواها الأقصى أو تقتصر على المكايدة والعنت بحدها الأدنى.

إن أهم عائق يعيق قدرات الحكومات بدول العالم بصفة عامة وبالمنطقة العربية بصفة خاصة معضلة قصر ذات اليد وعجز موازناتها وقدراتها الاقتصادية لتلبي حاجة الصرف والتمويل للمشروعات المطلوب تدشينها، وهذا حقيقة ظاهرُ الأمر والعقلية التقليدية ستكرر هذه المقولة مراراً وتكراراً وعبر الأجيال، ولكن هل هذه المقولة صحيحة مائة بالمائة؟

لو استسلمنا لهذه المقولة بهذه السهولة فلابد من ضرورة وحتمية الاتجاه نحو كارثة بالمستقبل حينما تنضب الموارد وينتشر الفقر والمرض وتتعاظم الصراعات، وهو الذي بيناه سابقا – بالمقال الأول – حيث أن الحضارة تتجه لأزمة مستفحلة وتاريخية في ندرة الموارد ولا سيما بعض الموارد الضرورية لاستمرار الحياة على الأرض ونسبة الاكسجين مرشحة للبروز كأزمة تدخل بتلك المعادلة مستقبلاً، فضلا عن عواقب ارتفاع درجات الحرارة والأزمات الصحية الأخرى. وقطعا ليس هذا هو ما نتجه له، حيث أن هناك بارقة أمل قوية تتضخم يوما بعد يوم لتغدو هي الحل – وكما قال الشاعر “وداوها بالتي كانت هي الداء” -، وبما أن الثورة الصناعية الأولى كانت هي شرارة البدء لكل تلك التداعيات والتدهور البيئي والمكاني والذي أضر بالبر والبحر والانسان والحيوان سواء بسواء، فإن القدرات التكنولوجية المتطورة جداً والتي برزت مع الثورة الصناعية الرابعة تحمل في طياتها البذرة الحيوية الضرورية لإعادة إنبات الحياة من جديد على سطح هذا الكوكب الذي انتُكِبَ بسكانه، فما هي العلامات الأساسية التي تبشر بها الثورة الصناعية الرابعة والقدرات التكنولوجية القادمة التي نعتقد أنها ستكون الممكن الرئيسي للثورة الصناعية الخامسة والتي سيكون توجهها الرئيسي هو التصالح مع الطبيعة وهو ما نتنبأ به من الآن ولعله يكون خلال الخمسون عاما القادمة.

إن أهم ما يميز الثورة الصناعية الرابعة هو الإدارة الرقمية الذكية لو صح هذا المصطلح كعنوان كبير حيث أنه بهذا المفهوم فإن الآلة أي الحاسبات الرقمية المتصلة بالانترنت فائقة السرعة وما يرتبط بها من شبكات وأجهزة وحتى محركات وسيارات وآليين سيمكنهم التعلم والتصرف بذكاء واتخاذ قرارات مناسبة، ونود هنا الإشارة لأحد أهم التحولات الجارية حالياً التي ظهرت على الساحة ألا وهي دخولنا بعصر الاقتصاد الرقمي، والذي يوفر العديد من الأدوات والآليات والضمانات الإدارية والحوكمة القانونية للمستثمرين والمتعاملين وهو ما سيدفع نحو الرد على السؤال العويص والمتكرر عن أين هي الموارد وكيف نمول مشاريع التنمية المستدامة.

تشير الدراسات الحديثة أن الشركات الصغيرة والمتناهية بالصغر العاملة بمجال تكنولوجيا التمويل (Fintech) ستتدخل خلال عشرة أعوام في منظومة إدارة نصف حجم الأموال المتداولة بالعالم وهو ما يغير قواعد اللعبة بشكل جذري ويهز عروش البنوك الكبيرة والمتوسطة ويجبرها فوراً على المخاطرة المحسوبة والاستثمار في الابتكار والتطوير ومنها الاستحواذ على الشركات المبدعة الصغيرة التي تقدم اختراعات جديدة وثورية في مجال تكنولوجيا التمويل، وهذه المنافسة حتما ستقود نحو ضخ المزيد من الاستثمارات الآمنة في شرايين الاقتصاد والقضاء التدريجي على الاقتصاد المخفي الموازي وتحقيق حلم الشمول المالي وهو ما يعني امتلاك الدولة لقوة اقتصادية كانت غير متاحة وستنضم بفضل هذه الآليات وما يصحبها من ثورة تشريعية وتقنية ومعرفية لقوة الدولة الحالية وتوفر إجابة بليغة جدا على سؤال: كيف نمول مشاريع التنمية المستدامة؟

ليس ما سبق فحسب بل إن التكنولوجيا الحديثة ستقدم يداً داعمة وتنفيذية قوية وأساسية وبيان عملي عن كيفية تنفيذ مبادرات أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة، ويكفي أن نشير هنا بمثال بسيط وهو دور الآليين الذاتيين الذين سينضمون لقوة العمل ليحلوا محل البشر في الأعمال الخطيرة والتي تهدد صحتهم وحياتهم كأعمال المناجم على سبيل المثال والصيد بأعالي البحار، أو دور علوم الجينوم والنانو في إيجاد علاجات جديدة للعديد من الأمراض المستعصية والتي سيكون للذكاء الصناعي دوراً جديداً في التشخيص والعلاج بدقة ويضمن المساواة والعدالة في تقديم الخدمة العلاجية.

وأخيراً وليس آخرا فإن التطور الماثل في وسائل استخراج وتخزين الطاقة يتضاعف سنويا سواء على مستوى الدقة والفاعلية وعلى مستوى انخفاض التكلفة الإنتاجية وهذه النقطة ستمثل ذروة التحول بالعصر القادم حيث سيمكن توفير طاقة نظيفة صديقة للبيئة ورخيصة وفي المتناول وبما سيمكن من تنفيذ كافة المشاريع الأخرى طالما قد توفرت الطاقة.
مرحبا بالثورة الصناعية الرابعة وننتظر الخامسة والتي سيكون عنوانها الأكبر الانتصار للطبيعة بإذن الله.

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

مقال نشر في الأهرام بتاريخ 21 نوفمبر 2018

زود الله الطبيعة والحياة الطبيعية في كوكب الأرض بميزة هامة وهي القدرة على أن تظل متوازنة وتستعيد توازنها، وتدوير مواردها، كلما اختل بشكل طبيعي. فمثلاً لو انفجرت براكين أو اشتعلت غابات أو انتشر وباء فإن ردود الأفعال الطبيعية لمكونات هذا الكون كانت تستطيع أن تستعيد الأوضاع الأصلية خلال فترات بسيطة تتراوح بين الأيام أو حتى عشرات السنوات. وهذا لا يدفعنا لنفي التغيرات الجيولوجية والبيولوجية والمناخية التي تحدث بالأرض ولكنها تحدث بوتيرة بطيئة جداً تمتد لعشرات الألوف من السنوات مما يجعلها تكاد تكون غير محسوسة، والأهم أنها تحدث في ظل ثبات قانون التوازن الطبيعي الذي لو حدث به خلل لا قدر الله فإن مصير الكوكب بصفته الكوكب الذي يحمل على سطحه حياة تنبض ومخلوقات تسعى سيصبح تاريخاً.

قبل قرنين من الآن، كان الإنسان وهم أحد أهم مكونات الحياة على كوكب الأرض ضمن هذه المنظومة المتوازنة ولم تكن أنشطته الحياتية بالخطورة الكبيرة التي يمكنها أن تؤثر على التوازن الطبيعي المستقر. واستمر هذا الواقع حتى بدأت الثورة الصناعية الأولى، وظهور الآلات البخارية التي بدأت في حرق وقوداً أحفورياً لتدفع إلى الهواء والبيئة المحيطة غازات غير معتادة وملوثة للبيئة مثل أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت والنيتروجين، أضف لذلك نفث طاقة حرارية إضافية تساهم في رفع درجات الحرارة بشكل عام.

استمر الانسان في التطور وصاحب هذا التطور ارتفاع مطرد في عدد سكان الأرض حيث تشير التقديرات أن عدد السكان بمطلع القرن السابع عشر لم يتعد النصف مليار نسمة والذي تضاعف الآن تقريبا خمسة عشر ضعفاً ليصل لقرب الثمانية مليارات نسمة، وهي نتيجة طبيعية لمضاعفة القدرات البشرية نتيجة التطور العلمي والصناعي في النواحي الطبية والعلاجية وقدرته على استخراج الثروات الأرضية والمعادن والنفط مما سمح له باستخدام هذه الموارد بنهم شديد وبشكل أصبح ينبئ أن الأجيال القادمة قد تأتي ولا تجد موارد جديدة على سطح الأرض.

امتدت الأنشطة البشرية وتزايدت الاحتياجات، وبرزت الحاجة للتوسع بالزراعة وتحويل الغابات لمزارع ومراعي، وكذلك الحصول على الأخشاب مما نشا عنه ظاهرة إبادة الغابات الطبيعية التي كانت تعتبر المصنع الطبيعي لانتاج غاز الأكسجين من خلال عملية التمثيل الضوئي، وظهرت ظاهرة الاحتباس الحراري مما أدى لارتفاع متوسط حرارة الأرض حوالي 5 درجات خلال المائة عام الأخيرة، وهو الأمر الذي أصبح بغاية الخطورة ويهدد بانصهار الطبقات الجليدية بالقطبين المخزونة على صورة ثلوج من ملايين السنوات، مما سيؤدي لارتفاع منسوب المياه بالمحيطات وغرق ملايين الكيلومترات من السواحل بالعالم وسيصاحبها تغيرات مناخية جذرية قد تكون كارثية. أضف لذلك الآثار المدمرة على الإنسان نفسه كنتيجة للتعامل البشري السيء مع الموارد الاقتصادية التي مع نضوبها وندرتها ستتعرض الجماعات البشرية للفقر والجهل والمرض وافتقاد الحياة الكريمة.

وبدون الدخول في تفاصيل فنية وعلمية وجيولوجية وطبية وبيئية كثيرة ويطول بيانها فإن الآثار التي نجمت عن التطور العلمي والثورات الصناعية المتعاقبة أصبحت تهدد استقرار حياتنا واستمرار وجود ملايين الأنواع من المخلوقات التي تعيش على ظهر هذا الكوكب. أليس هذا بحد ذاته جرس إنذار يجب التوق عنده ملياً.

نحن الآن على مشارف الثورة الصناعية الرابعة وما تحمله من أحلام جديدة للبشر، حيث يتعمق استخدام الآلة الذكية مما يتيح علاجات جديدة للأمراض مع توقعات بارتفاع متوسط أعمار الانسان، وهو ما يعني أن هذا الكوكب عليه الآن أن يوفر موارد وغذاء ووقود ومواد ومعادن لأعداد كبيرة جدا بالمستقبل مما سيزيد تعقيد الموقف الذي تم بيانه، ويمكن الجزم أن توفير الموارد – لضعف العدد الحالي من سكان المعمورة – يكاد أن يكون مستحيلا لو استمرت الممارسات والأنشطة البشرية على منوالها المطرد الحالي دون إعادة النظر بها وفرض تغييرات جذرية في ممارساته غير الطبيعية لتراعي الأبعاد البيئية والاقتصادية والإنسانية لتستمر الحياة وتستدام على هذا الكوكب.

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

مقال نشر في أموال الغد بتاريخ 3 يناير 2019

بالرغم من أهمية التنمية المستدامة التي لم يخالفها عاقل واتفقت عليها كافة دول العالم كأولوية ضرورية لحفظ الحياة والنوع البشري بشكل كريم على هذا الكوكب، فإن الالتزام الفعلي التطبيقي بالعالم غير مرضي، بل ويتراوح مداه في دول العالم إلى دون المستوى المقبول، وإن كان الظاهر والمُرّوج له غير ذلك. ووفقا للنتائج المتحصلة في التقارير الدولية، فإن أغلب دول العالم وحكوماتها وشعوبها لم تصل بعد لمرحلة النضج التطبيقي في ميدان التنمية المستدامة.

وبتأمل الأسباب التي تبطئ بعض دول العالم عن الاندفاع في تطبيق استراتيجيات الاستدامة البيئية هو تكلفة فاتورة التغيير الابتدائية، وغالباً تقع هذه التكاليف خارج أطر الموازنات المالية المرصودة من خلال تلك الحكومات لمشاريعها التنموية السنوية، والتي غالباً ما نجد أن هذه الحكومات لديها مشاكل تمويلية وتعاني من تحديات كثيرة للوفاء بالحد الأدنى من التزاماتها، مما يجعل فكرة ضخها لاستثمارات جديدة تكاد تكون أمراً عسيراً يصعب تحقيقه.

فعلى سبيل المثال لو راجعنا مشاريع التحول نحو الطاقة البديلة، نجد أنه نظراً لارتفاع تكلفة انتاج الطاقة من المصادر المتجددة مثل الشمس – وخاصة أنه لا يجب إغفال سعر الأرض المخصصة للمشروع – أعلى من تلك المنتجة من خلال مصادر أحفورية مثل محطات الفحم والمازوت، وهو ما يستدعي فوراً للذهن فكرة أن الاستثمار نحو الاستدامة البيئية ستتطلب مزيداً من الموارد المالية المطلوبة، وهو ما يمثل مزيداً من الضغط على اقتصاديات الدول.

ونظراً لعدم امتلاكنا رفاهية التهاون في التحول العالمي نحو التنمية المستدامة ولا سيما التنمية الاقتصادية، فيجب إعادة النظر في آليات العمل الاقتصادي المستدام، والذي يمكن من خلاله تعظيم العوائد على الاستثمارات وتوجيه القروض نحو الانشطة الانتاجية المرتبطة ببعض أهداف التنمية المستدامة الأممية والتني تم تبنيها من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أي من خلال قادة الغالبية العظمى من دول العالم والتي من ضمنها على سبيل المثال: “تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والمطرد والشامل للجميع، وتوفير العمل اللائق للجميع”.

المؤكد أن النمو الاقتصادي المطرد والشامل سيدفع بعجلة التنمية عن طريق توفير المزيد من الموارد للتعليم والصحة والاستهلاك الشخصي والبنية الأساسية للنقل والمياه والطاقة. أيضاً سيساعد النمو الاقتصادي على إضافة فرص عمل جديدة. غير أن الحفاظ على نمو اقتصادي حقيقي مرتفع ليس بالأمر اليسير، كما نلاحظ أنه لم يتمكن سوى بضعة قليلة من البلدان من الاستقرار باستمرار حول معدّل النمو السنوي البالغ 7 في المائة كمستهدف للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. وعلاوة على ذلك، فإن النمو الاقتصادي ليس بالضرورة مستداماً عندما تستنفد البلدان مواردها الطبيعية من أجل النمو الاقتصادي، وبالتالي تنقل عبء التدهور البيئي والأضرار البيئية إلى الأجيال المقبلة، فهل هذا أمر مقبول؟

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

مقال نشر في الأهرام بتاريخ 14 فبراير 2019

كثيرا ما نسمع عن الاستدامة ويمكننا أن نلمس انتشار هذا المصطلح سواء بالصحافة أو الإعلام بأشكاله المختلفة أو على ألسنة السياسيين والقادة بالعالم وأضحت الاستدامة تحتل مكانة هامة في في المباحثات الدولية والاتفاقيات والمعاهدات البينية ويتم تضمين بعض متطلباتها في العقود الدولية كشروط تعاقدية يجب الوفاء بها، ووصلت لأن تصبح شروطا مسبقة في الكثير من الدراسات التي تسبق تدشين المشاريع الكبرى وخاصة التي بها أبعاد جغرافية هندسية كبيرة لقياس الأثر المتوقع على أبعاد الاستدامة المختلفة.

ورغم هذا الانتشار الكبير لموضوع الاستدامة عالميا في المجالات المختلفة ألا أنه مازال موضوعاً نخبوياً ولم يصل فهمه واستيعابه فضلا عن الإيمان بضرورته للإنسان العادي، وهذا ليس حصراً على العالم العربي بل هو مازال موضوعا محصوراً في دائرة محددة على مستوى العالم وإن تفاوتت درجات الوعي المجتعمي العام من موقع ومكان لآخر.

وتعريفا للتنمية المستدامة، فهي عملية تطوير الأرض والمدن والمجتمعات والأعمال التجارية، وصولاً لضمان حياة نظيفة وصحية وآمنة للأفراد، وعدم حرمانهم من حقوقهم الإنسانية الأساسية، بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر بدون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها، وبمعني آخر أن نستهلك الموارد المتاحة لنا بالأرض شريطة أن يتم تعويضها بشكل طبيعي لتكون متاحة مرة أخرى للأجيال القادمة.

وهذا التعريف رغم بساطته وبديهيته إلا أن تنفيذه يعد أمر ليس بالسهل أبداً وخاصة في ظل وجود ثلاث متغيرات أساسية بواقعنا الحياتي، وهي:

  1. التطور التكنولوجي المتسارع وما يحمله من إغراءات وضغوط نحو المزيد من الاستهلاك للموارد الأرضية والاقتصادية.
  2. التنامي المطرد في تعداد السكان وتنامي متطلباتهم المعيشية.
  3. تباطؤ معدلات التعويض الطبيعي للموارد الطبيعية مثل:
    1. استعاضة نسب غاز الأكسجين حول نسبه الطبيعية والضرورية لحياة المخلوقات.
    2. قدرة الطبيعة على التخلص من الآثار السامة الناجمة عن تزايد نسب بعض الأبخرة والغازات الضارة.
    3. استعادة التوازن النسبي بين المكونات الغازية كنسبة ثاني أكسيد الكربون بالجو.
    4. معدلات تجديد المياه العذبة والصالحة للشرب والزراعة.
    5. القدرة على تدوير المنتجات المصنعة والمنتهي صلاحيتها ومن ثم إعادة تصنيعها مرة أخرى.

وفي ظل هذه التحديات المتنامية وجب أن يقوم المتسبب – وهو الإنسان – برد فعل متنامي ومستدام أيضاً لاستعادة التوازن الطبيعي للحياة على كوكب الأرض. و”على المتسبب التعويض” وهذه قاعدة أصولية وقانونية معروفة.

وتهدف التنمية المستدامة إلى تحسين ظروف المعيشة لجميع الأفراد دون زيادة استخدام الموارد الطبيعية إلى ما يتجاوز قدرة كوكب الأرض على التحمل. وتركز التنمية المستدامة على ثلاثة مجالات رئيسة هي النمو الاقتصادي، وحفظ الموارد الطبيعية والبيئة، والتنمية الاجتماعية.

وبناء على ما سبق فإن كافة أهداف التنمية المستدامة ومبادراتها تركز على مواجهة التحديات المؤذية والضارة للحياة ولا سيما حياة الإنسان وعلى قمة أولوياتها “القضاء على الفقر”، من خلال التشجيع على اتباع أنماط إنتاج واستهلاك متوازنة، دون الإفراط في الاعتماد على الموارد الطبيعية.

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

تتويجا لجهود استمرت لأكثر من نصف قرن للعديد من المؤسسات الدولية وغير التجارية ومن ضمنها الأمم المتحدة مؤسساتها، فقد أقرت الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة الـ17 لخطة التنمية المستدامة لعام 2030 والتي دخلت حيز التطبيق الرسمي في 1 يناير 2016، وكان قادة العالم قد أقروا اعتمادها في سبتمبر 2015 في قمة أممية تاريخية.  وستعمل البلدان خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة — واضعة نصب أعينها هذه الأهداف الجديدة والتي تنطبق عالمياً على الجميع.

وسنستعرض بشكل عاجل أهم الأهداف الخاصة بكل موضوع، حيث ركزت هذه الأهداف على حشد الجهود للمواضيع الرئيسية الأربعة التالية ويتفرع عنها السبعة عشر هدفاً:

  • القضاء على كافة أنواع المعاناة الإنسانية:

الهدف 1 : القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان.

الهدف 2 : القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحسّنة وتعزيز الزراعة المستدامة.

الهدف 3 : ضمان تمتّع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار.

الهدف 4 : ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع.

الهدف 5 : تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات.

الهدف 6 : ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع.

الهدف 10 : الحد من انعدام المساواة داخل البلدان وفيما بينها.

الهدف 16 : السلام والعدل والمؤسسات القوية.

  1. معالجة الآثار البيئية الضارة:
    1. الهدف 13 : اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.
    2. الهدف 14 : حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة.
    3. الهدف 15 : حماية النظم الإيكولوجية البرية وترميمها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، وإدارة الغابات على نحو مستدام، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي وعكس مساره، ووقف فقدان التنوع البيولوجي.
  2. المدن الحديثة والطاقة:
    1. الهدف 7 : ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة
    2. الهدف 11 : جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة
  3. الإدارة الاقتصادية من أجل حياة أفضل للبشر:
    1. الهدف 8 : تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل للجميع والمستدام، والعمالة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع
    2. الهدف 9 : إقامة بنى تحتية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع الشامل للجميع والمستدام، وتشجيع الابتكار
    3. الهدف 12 : ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة.
    4. الهدف 17 : تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة.

وهكذا تعاملت هذه الأهداف السبعة عشر مع الإنسان كأهم هدف، ومع بيئته المحيطة بما فيها بيئة السكن التي يعيش بها أو الاقتصادية التي يعمل ويرتزق منها، وهذا التكامل الكبير والنظرة الشمولية التي انطلقت منها الأهداف الاستراتيجية السبعة عشر يهدف في تكامله لتحقيق الاستدامة والتنمية، كما ويُنظر إلى أن إهمال بعض جوانب هذه الاستراتيجية، والتركيز على البعض الآخر، قد يسبب عرقلة للاستدامة بل وتحدث خللاً وتشتيتاً للجهود الكلية للتنمية المستدامة، مما سيكون له أثر ضار على منظومة حياة الانسان وبيئته التي يتفاعل معها.

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

المقال رقم 1- نشر في الأهرام بتاريخ 7 مارس 2019

بلا ريب، فإن واقعنا العربي اليوم ليس هو الأفضل، ولا ما سبقه بالماضي القريب قبل أحداث ما تم الاصطلاح عليه بمسمى الربيع العربي وما صاحبها من اضطرابات أمنية ألمت بمجموعة من الدول العربية، وهي التي اندلعت شراراتها الأولى بمطلع العام 2011، وما زال أوارها يرسل شرره لكثير من المناطق العربية بصورة أو بأخرى، وهي الآثار التي لا تخطئها العين ويمكن رصدها بجميع الدول العربية وإن كانت بدرجات متفاوتة. سيجد المتأمل لأحوال الدول العربية بالسنوات الثمانية الأخيرة أنه حتى الدول التي لم تعاني مباشرة من ثورات داخلية قد تأثرت سلبا بهذه المتغيرات، فما بالك بالدول التي عانت منها مباشرة؟

من المنظار الاقتصادي البحت سيكتشف المتابع أن هذه الثورات والاضطرابات قد أفرزت آثاراً سلبية على الدول التي وقعت بها بشكل خاص، وعلى الدول المجاورة أيضا وإن كانت بصورة أقل، بل وتركت ظِلالاً كثيفة وثقيلة أعاقت حركة التقدم والتطوير. ولا نبالغ إن قلنا بأن هذه الاضطرابات أوقفت التاريخ عند نهاية العقد الأول من القرن الحالي، بل وأوصلت البلدان المتأثرة مباشرة والتي استمرت فيها الحروب الأهلية أو القلاقل الأمنية والتدخلات الخارجية لما قبل عصر الحداثة، وأهالت العديد من الأزمات على الدول المجاورة والدول خارج المنظومة العربية التي استقبلت الملايين من المهاجرين العرب من الدول التي تعاني من هذه الأزمة.

إن كانت هذه المقدمة تقرر واقعا حقيقياً معاشاً وملموساً، إلا أنه لا ينبغي لها أن تدفعنا لليأس والقنوط والاستسلام لهذا المصير، بل إننا نراها فرصة لتحقيق نقلة تاريخية وتغييرات جذرية، حيث أن هذ الواقع يفرض على القادة والحكومات والسياسيين والاقتصاديين العرب واقعاً ملزماً للعمل على حل هذه المشكلات وأسبابها، وإيقاف النزيف الأمني والخسائر البشرية والمادية والمعنوية من أجل الدخول إلى مرحلة ما بعد الاستقرار وبدء إعادة الإعمار. وبلغة التخطيط الاستراتيجي فإننا لدينا غاية استراتيجية أساسية وهي تحقيق الاستدامة التنموية والرخاء الاقتصادي، ومن أجل الوصول لهذه الغاية يجب على القادة العرب تبني أهداف مرحلية عاجلة تعزز الاستقرار الأمني وتجعله واقعا ملموسا يستشعره المواطن العربي ما كان اختياراً بالأمس أضحى ضرورة اليوم، فضرورة إطلاق مشروعات إعادة البناء وما تمثله من نقلة نوعية وكمية هائلة، سترفع مستوى جرأة صانعي السياسات والقرارات، وتدفعهم نحو تبني سياسات وإجراءات جسورة توصل الواقع العربي الحالي نحو التغيير الجذري العميق وتخلق قابلية لدى الشعوب؛ لتأخذ على عاتقها فاتورة إعادة البناء خروجاً من عنق الزجاجة، وتطلعاً لواقع أفضل ومستقبل مشرق منافس يتيح للأجيال القادمة الاستفادة من تلك الخطط والبرامج؛ ولتنهي صفحة مؤلمة من التاريخ العربي التي حفلت بالكثير من الخسائر والأضرار المادية والمعنوية، وتنظر للغد بشكل أكثر إشراقاً وتتوقع الأفضل.

وبالرغم أيضاً من الآثار المدمرة التي نجمت عن تلك الأحداث، والفاتورة الباهظة التي دفعتها الدول والإنسانية، وتحمل العالم عواقبها، إلا أننا نؤمن بأننا قد دخلنا مرحلة لابد معها أن نُغيّر اتجاه البوصلة نحو التطوير وإعادة البناء في المنطقة العربية بشكل تكاملي.

وعلى الرغم من كل العراقيل والصور المظلمة للواقع العربي، إلا أنه لا بد لنا التمسك بالإيجابية والرجوع للسنة الكونية الأزلية التي تؤكد أن التحديات الكبيرة والعملاقة غالباً ما تقود الإنسانية نحو التطور بعد القراءة الجيدة للعبر والدروس والاستفادة منها؛ لمنع تكرار أخطاء الماضي، وتحسين الأوضاع المستقبلية.

إن هذا التحدي الكبير لحري به أن يستنهض أقصى درجات التعاون والعمل المشترك بين الدول العربية في مجالات التخطيط والتنفيذ، للوصول إلى التكامل في الأدوار وتحقيق الأهداف. ومن دون ذلك، فإن واقع ومستقبل المنطقة العربية سيكون رهناً بتجارب ستقتصر على ضربات الحظ!

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

 

مقال رقم 2 – نشر في الأهرام بتاريخ 14 مارس 2019

المخاطر والتحديات المشتركة التي تواجهها البلدان العربية تمثل التنمية الاقتصادية أكبر الهموم والصعوبات التي تعاني منها الدول العربية اليوم وهو ما يفرض ضرورةَ التكامل العربي من أجل بناء كيان اقتصادي كبير وموحد وهو السبيل الوحيد لتحقيق شروط النهوض والمنعة. ورغم كل ما قد يبدو للعيان من خلافات أو نتائج تاريخية لا تبشر بالكثير من وراء هذه الدعوة للتوحد الاقتصادي، إلا أن القراءة الواقعية تؤكد أنه يوجد لدينا ما يعزز فرص نجاح هذا التكامل كمقومات تتفرد بها البلدان العربية مَيَزّتها عن غيرها من التكتلات الكبرى، تأتي في مقدمتها: الدين، واللغة المشتركة، والثقافة، والتاريخ، والتقارب الجغرافي.

دعونا بالبداية نسلم بأن إستراتيجية العمل العربي المشترك تكمن أهميتها في أنها تهدف في أقصى آمالها إلى صيانة الأمن القومي بمختلف أبعاده، وتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية؛ لتحقيق التنمية الشاملة المتوازنة، والاعتماد القومي على الذات.

والمنشود هنا هو التكامل الشامل والتعاون الفعّال من أجل تجاوز عقبات التنمية، ضماناً لتحقيق الحصانة الذاتية للأمة. ويُقصد بالتكامل الشامل في هذا السياق: أنه التكامل الذي يفي بأغراض التنمية الشاملة؛ تمييزاً له عن التكامل الاقتصادي المجرد، وهو ما يضيف أبعاداً اجتماعية وثقافية ووطنية إلى البعد الاقتصادي؛ لكي يكون باعثا لإطلاق الإبداع بمعناه الشامل، أي: الإبداع المعنوي ببعديه: المعرفي، والثقافي، والإبداع المادي ببعديه: الاقتصادي والعمراني – كتأسيس التكامل الصناعي والزراعي وبناء المدن الجديدة ومنشآت الطاقة وغيرها.

تقليديا نجد أن ما سبق طرحه من محاولات لتوحيد القدرات الاقتصادية العربية قد وجه بشكل كبير نحو التكامل الاقتصادي بمفهومه المادي فقد توصلت الدول العربية عام 1953، إلى أول اتفاقيتين للتجارة في إطار جامعة الدول العربية، كانت الأولى لتسهيل التجارة وتنظيم تجارة الترانزيت، والأخرى لتسديد المعاملات التجارية ونقل رأس المال. وفي عام 1957 ، وقعت الدول العربية اتفاقية الوحدة الاقتصادية، وحرية تنقل الأشخاص ورأس المال، وحرية تبادل السلع والمنتجات، والإقامة، والعمل، وممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية استخدام وسائل النقل والموانئ والمطارات المدنية، وإقرار حقوق الملكية، وكذلك تنسيق السياسات الاقتصادية وسياسات التجارة الخارجية؛ من أجل ترسيخ مواقف دول مجلس الوحدة الاقتصادية العربية  تجاه التغيرات السياسية والأمنية في المنطقة والتطورات في الاقتصاد العالمي، لتحقيق الأهداف الاقتصادية الخاصة بالدول الموقعة على الاتفاقية عن طريق إبرام اتفاقيات تجارية وإجراء مبادلات اقتصادية مع بعضها البعض ومع الدول الأخرى انطلاقا من مفهوم تنسيقي مشترك”.

وفي أعقاب التوقيع على اتفاقية الوحدة الاقتصادية، ونتيجة للعقبات التي واجهتها في تنفيذها والثغرات في هياكل الإنتاج وأنماط الاستهلاك العربي، جددت الدول العربية التزامها في عام 1980 باستكمال مسارات التكامل الاقتصادي العربي بالتوقيع على ميثاق العمل الاقتصادي الوطني. وشدد الميثاق على ضرورة التقيد بمجموعة من المبادئ التي تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الوطني والاعتماد الجماعي على الذات.

كما دعت إلى تحقيق المواطنة الاقتصادية العربية، وتقليص الفجوة في التنمية والدخل بين الدول العربية، وضمان الحرية الكاملة لحركة العمال العرب وحقوقهم في مجالات التعليم والتدريب، وتسهيل نقل الكفاءات داخل العالم العربي، والاستفادة من المهارات الموجودة خارجها، بالإضافة إلى استثمار القوة الاقتصادية العربية لخدمة القضايا القومية العربية.

وهكذا نجد أن المبادرات الوحدوية الاقتصادية العربية قد تتالت وبشكل مطرد وتوجت باتفاقية التجارة العربية الحرة، ومع ذلك فإن كل تلك المبادرات والمشاريع الاقتصادية الوحدوية لم يشعر بها المواطن العربي ولم تنعكس في الحياة الاقتصادية العربية ولم تسبب له الحصانة التاريخية والأمنية المطلوبة، ولو قارناها مع المشروع الاقتصادي الوحدوي الأوروبي فسنجد المفارقة صارخة وكبيرة حيث قد وصلت المشاريع الأوروبية المشتركة والتكاملية لأوجهها وظهرت بشكل جلي في ارتفاع مستوى المعيشة وشعور المواطن الأوروبي بنتائج هذه الوحدة الاقتصادية والتكامل الأوروبي الشامل والذي نجحوا في تفعيله رغم اختلافاتهم الثقافية واللغوية والتاريخية الكبيرة، وبنظرة مقارنة بسيطة سنجد أن ثلثي التجارة الأوروبية الخارجية البينية تمثل أكثر من 66% من إجمالي التجارة الخارجية الأوروبية في حين أن التجارة العربية البينية لا تزيد كثيرا عن 10% من إجمالي التجارة الخارجية، إذن فنحن حتى اليوم لم نختبر قدراتنا الحقيقية ولم نتمتع بالمزايا والفرص الحقيقية التي يمثلها السوق السكاني الكبير والمتمثل بأكثر من 400 مليون إنسان، وقبل أن نطرح السؤال البديهي عن أهمية فتح الباب للاستثمارات الكبيرة وفتح الأسواق العربية وإزالة العراقيل والبيروقراطية والسياسات الحمائية التي تقف حجر عثرة أمام السوق العربي الموحد فلنتذكر جميعا وحتى لا نكرر التجارب التي بدأناها من سبعين عاما ومستمرة حتى اليوم، دعونا نتذكر أننا لم نجرب تفعيل التكامل الاقتصادي الشامل والذي لا يقتصر على العمران والصناعة والزراعة بل يشمل التكامل المعرفي والثقافي والعلمي، فاليوم أطل علينا الاقتصاد بمفاهيم جديدة تدمج كل تلك المفاهيم وتعتبر المعرفة والمعلومة والإنسان والتكنولوجيا هي الثروة الأهم على الإطلاق. فهل نرى قريبا مشروعا عربيا مشتركا لتنمية الانسان معرفيا وتكنولوجيا؟

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي

المقال رقم 3

ما هو السبيل للسوق التجاري العربي المشترك؟ هل نحن على الطريق وهل هناك خارطة طريق واضحة أمامنا وأمام المسؤولين عن التجارة والاقتصاد بالدول العربية نسير عليها للوصول لهذا الهدف المشترك؟

سنحاول بهذا المقال تسليط شعاع من الضوء على هذه المسيرة لنستقرئ منها العبر والدروس وكيف نستكمل طريقنا ونحقق هذا الهدف.

أبرمت الدول العربية، في عام 1981، اتفاقية لتسهيل وتطوير التبادل التجاري، وهو أول إطار تعاقدي يهدف إلى تنفيذ المبادئ الأساسية الواردة في وثائق استراتيجية العمل العربي الاقتصادي المشترك وميثاق العمل الاقتصادي الوطني. ومع ذلك كان الاتفاق خالياً من إجراءات تحرير التجارة والآليات المترتبة على تنفيذ هذا المطلب لاستكمال عملية التعويض، وتحقيق التوزيع العادل للمكاسب الناتجة عن تحرير التجارة البينية العربية، وهو ما أدى إلى عدم تفعيل الاتفاق. ثم أعقب ذلك توقيع اتفاقية مماثلة لضمان حرية حركة سوق العمل بين الدول العربية، غير أن القصور في تنفيذ الآليات والأنشطة التفصيلية في كل دولة على حدة ظل سببا يمنع تحقيق أهداف التكامل الاقتصادي العربي المتجسد في اتفاق الوحدة الاقتصادية، وميثاق العمل الاقتصادي الوطني، وإستراتيجية العمل العربية المشتركة.

والملاحظ أن معظم الدول العربية قد ركزت حواراتها البينية على تطوير الجهود والإجراءات المبذولة لتسهيل حركة رأس المال والسلع، والأحكام المنظمة لاستثمارات رأس المال العربي في الدول العربية، وتوفير ضمانات ضد المصادرة أو الحجز القسري، وإجراءات التعويض الأخرى، والتأمين على الأموال المستثمرة، وضمانات تسوية المنازعات، وأقيمت لهذا الغرض محكمة الاستثمار العربية في عام 1986؛ وهو ما تم بلورته عمليا وتمثل في إبرام اتفاقية عمّان العربية للتحكيم في عام 1987.

ثم أعقب ذلك إنشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى في عام 1997، والتي تم تفعيلها عام 2005. ورغم نجاح هذا المشروع بشكل نسبي في السنوات الخمس الأولى إلا أن مسيرة العمل العربي المشـترك ظلت محدودة النتائج وقاصرة عن تلبية آمال الشعوب العربية التي ترى أن التعاون العربي ما زال بمستويات أقل مما ينبغي أن يكون عليه. ففي دراسة ميدانية أعدها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات عام 2013، جاءت نسبة الإجابات في آراء الشارع العربي ومن أقطار عربية مختلفة متشككة وناقدة وغير راضية عن مستوى التكامل الاقتصادي العربي بنسبة 65%.

وتلخيصاً لما سبق فإن خارطة طريق التكامل الاقتصادي الشامل ارتكزت على عدة محطات رئيسية وهي:

  1. إنشاء منطقة التجارة الحرة، وفيها يتم إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية، وهذه المرحلة ما زلنا بها ولم يتم إنجازها بشكل مُرضٍ حتى الآن.
  2. إنشاء الاتحاد الجمركي، وفيه يتم وضع تعرفة مشتركة او متفق عليها للسلع الواردة من خارج الاتحاد، وهذه المرحلة لم نصل إليها بعد وإن كانت هناك محاولات ثنائية لتطبيقها على بعض السلع وخاصة بدول مجلس التعاون الخليجي.
  3. مرحلة السوق المشتركة، وفيها يتم تحرير حركة رؤوس الأموال وسوق العمل بين دول السوق المشتركة وهذه المرحلة لم تبدأ بعد.
  4. مرحلة الوحدة الاقتصادية، وتستهدف توحيد السياسات المالية والنقدية وإصدار العملة الموحدة، وهذه المرحلة لم تبدأ بعد أيضاً.

ويتضح من المراحل الأربعة الرئيسية، أن الوطن العربي مازال المرحلة الأولى لم يتجاوزها! وهناك محاولات ثنائية لبعض الدول للدخول بالمرحلة الثانية بشكل محدود، ومن ثم لم تبدأ أي ملامح لبدء المرحلة الثالثة فضلاً عن الرابعة، وهي ما تمثل الهدف الحقيقي المنشود.

تعليقنا على هذه المسيرة التاريخية وقراءة الجهود ومتابعة اللجان التي ظلت تعمل طوال أكثر من ثلاثين عاما لتفعيل ووضع اتفاقية التجارة العربية الحرة موضع التنفيذ الكامل والسلس، أنها لم توصلنا للنتائج المستهدفة، ومالم تتغير آلية العمل فلن تتغير النتائج ولو انتظرنا ثلاثين عاما أخرى بل وستزيد، فهل نحن مستعدون الآن للقول أن طريقة عمل تلك اللجان لن توصلنا لأهدافنا؟

إن آليات التكامل التجاري والجمركي والربط بين السلطات العربية ومتطلبات التحقق من المنشأ ونسبة التصنيع المحلي ومعالجة شكوك إعادة التصدير وما إلى ذلك من أطروحات عطلت هذه المسيرة يمكن حلها باستخدام التكنولوجيا ومفاهيم الحكومة المفتوحة، وهذا الطرح اليوم أصبح ممكناُ بسبب التطور التكنولوجي الذي لم يكن متاحا بالأمس، فهل تعيد لجان المتابعة الاقتصادية العربية قراءة الواقع في ضوء هذه المعطيات الجديدة؟

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي