الحلقة الثانية عشر: تكنولوجيا البلوك تشين: محرك لعولمة الممارسات الاقتصادية والتحديات تستوجب التنسيق

Share On:

د. م. علي محمد الخوري

استطلعنا بالحلقتين السابقتين مزايا وأهمية وقدرات تكنولوجيا البلوك تشين وارتباطها الوثيق بشبكة القيمة المضافة الاقتصادية، وبينّا أنها أصبحت تتوسع بشكل كبير على مستوى العالم من حيث تنوع استخداماتها وحجم المعاملات وقاعدة المستخدمين.

وعلى الرغم من هذا الإنتشار، إلا أنه من الملاحظ بأن التكنولوجيات الداعمة لمفهوم البلوك تشين أو سلسلة الكتل مازالت في مراحلها الأولى ولم تنضج كفاية بعد، ولم تنتشر بعد للمستويات المتوقعة لها. وعلى الرغم من كل المزايا الهامة لهذه التكنولوجيا التي أوضحناها في المقالتين السابقتين، إلا أننا نجد بأن هناك مجموعة من العوائق التي مازالت تشكل حاجزاً يمنع انتشار هذه التكنولوجيا بالشكل الكاسح الذي يتوقع لها. وسنحاول تسليط الضوء على أهم هذه العوائق.

أولاً: بصفتها مفهوما جديداً وتكنولوجيا ناشئة – وتحمل العديد من المصطلحات والبروتوكولات والأدوات الفنية المعقدة – فإن مجال البلوك تشين ما زال مقتصراً على القلة، وهناك نقص كبير في الخبرات والشركات المطورة وهو ما قد يفسر حالة عدم رغبة المؤسسات لاستخدام هذه التكنولوجيا بعد. والملاحظ أيضا بأن الكثيرون يتخذون مبدأ المراقبة والانتظار إلى إلى حين اتضاح الصورة أكثر.

ثانياً: الافتقار إلى الضوابط التنظيمية لاستخدام البلوكتشين في المجال التجاري والحكومي والعام.

ثالثاً: محدودية البروتوكولات والمواصفات التفصيلية لتنظيم شبكات البلوكتشين الخاصة. وبلغة أخرى، هناك حاجة لتنمية المعارف سواء لدى المستفيدين أو لدى الشركات المطورة للحلول التكنولوجية لضمان حسن استخدام هذه التكنولوجيا وتوظيفها بشكل كفوء وفعال.

رابعاً: تعاني الشبكات العامة المفتوحة من إشكالية تنامي حجم ملف الأستاذ العام لدى المستخدمين والأفراد، والذين يواجهون تضخم حجم هذه الملفات وخاصة مع تقادم أجهزة الكمبيوتر الشخصية. والتساؤل يكمن عن كيفية إدارة السلاسل مع ارتفاع أعداد المستخدمين في العالم ليشمل مئات الملايين، مع العلم بأن أعداد المستخدمين لهذه الشبكة عالمياً في الوقت الحالي ليسوا سوى عدة عشرات من الملايين. أي أنه وكلما ارتفع عدد المشتركين على الشبكات العامة، كلما ثقلت وازدادت صعوبة المعالجة للكتل الصادرة، وزادت التكلفة أيضا، ومنها ارتفاع استهلاك الطاقة الكهربائية.

خامساً: من الاحتمالات الواردة في منصات البلوك تشين الصغيرة – أي عند وجود أعداد قليلة من المشتركين والمساهمين في الشبكة – خطورة التلاعب في قاعدة بيانات الكتل المستخدمة، حيث يلزم دائما للتصديق على صحة البلوك أن يؤمن على صحته 51% من المشتركين، وهذا التلاعب ممكن في حال كان المشتركون قليلو العدد وبافتراض إمكانية الاتفاق فيما بينهم.

سادساً: صعوبة الاستعلام من قاعدة البيانات الخاصة بالكتل نظراً لكونها ليست قواعد بيانات تقليدية، وهي نقطة ستجد طريقاً لحلها بالمستقبل، ولكنها مازالت أمراً معقداً في الوقت الراهن، ويحتاج تدخل أطراف ثالثة متخصصة بهذا العمل.

سابعاً: تحتاج شبكات البلوك تشين العامة لكم كبير من الطاقة لمعالجتها، وأجهزة ذات سرعات وقدرات خاصة، مما يرفع تكلفة هذه المعالجة، وهو ما يدفع لمكافأة وتعويض المشتركين بالشبكة والمشاركين بعمليات المعالجة نظير ذلك، وهو ما يعد أحد أسباب إيجاد العملة المشفرة “بيتكوين”، والذي سنفرد لها مقالنا المقبل.

 

عالمياً، العديد من المؤسسات الاقتصادية وعلى رأسها البنوك والحكومات بدأت في تبني تقنية البلوك تشين. ويشير أحد التقارير الذي أصدرته شركة ماكنزي الاستشارية مؤخراً إلى أن 90% من البنوك في أوروبا وشمال أمريكا، قد قيّمت واستطلعت خلال العام 2018 فرصها في تطبيقات البلوك تشين، واستخلصت بأنها قد تخفض تكلفة التشغيل المصرفية بما مقداره 30%.

من ناحية أخرى تقدر عائدات سوق تكنولوجيات البلوك تشين العالمية بـ 20 مليار دولار من الإيرادات بحلول عام 2024. كما وتشير التوقعات ذاتها بأن تفوق العوائد على الاستثمارات في تكنولوجيا البلوك تشين، من حيث القيمة المضافة للأعمال عن 360 مليار دولار قبل عام 2026، وأنه وبحلول عام 2030، ستتجاوز هذه القيمة لأكثر من 3 تريليونات دولار، وهو ما سيجعلها واحدة من أكثر الصناعات ربحية.

كما وبلغ الإنفاق على تكنولوجيا البلوك تشين في القطاع المالي ما مجموعه 552 مليون دولار في عام 2018. كما أن شبكات البلوك تشين أنجزت معاملات تصل قيمها إلى أكثر من 270 مليار، لتتفوق بذلك على أكبر شركات نقل الأموال في العالم.

وعلى صعيد الممارسات الحكومية، ستكون حكومة دبي أول حكومة تتبنى تكنولوجيا البلوك تشين في العالم، والذي أعلنت عن مشروعها في عام 2017 على منصة النسيج Hyperledger، والذي يتوقع اكتماله في عام 2020.

وبناء على نظرتنا لاحتمالات تنامي وتطور تكنولوجيا البلوك تشين، فإننا وبلا شك أمام ثورة عالمية لا مثيل لها، ستؤثر على حياة البشر بشكل دراماتيكي. ولننظر إلى بعض السيناريوهات:

أولاً: الاندماج بين منصات البلوك تشين ومنصات التواصل الاجتماعي من الاحتمالات المتوقعة خلال العقد الثالث من هذا القرن، وهو ما سيكون له أثر كبير جداً في مضاعفة أعداد البشر المنضوين ضمن شبكات البلوك تشين وبشكل غير مسبوق. فإن كانت نسبة البشر اليوم ضمن هذه الشبكات يقدرون بحوالي نصف بالمائة، فإنه مع دخول منصات التواصل الاجتماعي بهذا المعترك، فالمتوقع في أضعف الاحتمالات أن يتضاعف العدد 100 مرة مقارنة بالوضع الحالي. وهذا في حد ذاته سيعتبر ثورة هائلة عالمية تكنولوجية، ولكن قد يؤدي هذا التطور لأمور يجب أخذها بالحسبان من الآن، إذا ما أخذنا في الاعتبار هيكلية النظام اللا مركزية، والتي قد تتجاوز أنظمة الدولة ومؤسساتها، والتي قد تكون بيد جهات معروفة أو غير معروفة.

ثانياً: نظراً لقدرة التواصل المفتوحة من خلال منصات البلوك تشين، ووصولها اليوم لحوالي 17 منصة، فإن المتوقع خلال العقد الثالث، أن تصدر أجيال جديدة من التطبيقات المؤسسية فوق هذه المنصات، وهو ما سيمكّن المؤسسات للانفتاح وتعزيز قدرتها على التكامل من خلال سلاسل التوريد (supply chain) بصورة كبيرة جداً، ويدعم واقع العلاقات بين الأعمال (Business to Business)، حيث ستعتمد هذه الإجراءات على نفس المفاهيم والمنصات، ذاتها بغض النظر عن التطبيق المستخدم، وهو ما قد يفتح المجال للعملات الرقمية بصورة غير مسبوقة في التعاملات التجارية.

ثالثاً: مع اتجاه الحكومات لتبني هذه التكنولوجيا ودخولها في هذا المضمار، فهناك موجة تحول كبيرة عالمية وخاصة في طبيعة الخدمات الحكومية من حيث كفاءة وفعالية وسرعة إنجاز المعاملات. ومن المتوقع أن تقوم الحكومات بتبني مفاهيم “البيانات المفتوحة” من خلال اتاحة مجموعة من البيانات عبر شبكات البلوك تشين لتمكين القطاع الخاص من الاعتماد عليها وتطوير وتقديم خدمات مبتكرة أخرى.

رابعاً: ستتصل آلاف الملايين من الأجهزة المتصلة بالإنترنت بمنصات البلوك تشين، ولتمكن بدورها بعض القرارات الآنية والآلية من خلال هذه الشبكة، وسط احتمالات لا نهائية للاستخدامات المتعددة والتي تتضمن مراقبة التجارة الدولية العابرة للحدود، وحوكمة المنظومات المرورية، وسداد المخالفات، وتمكين الإدارة الصناعية، وتواصلها مع المخازن، وشركات التوريد مباشرة، ولا سيما مع تطور الذكاء الاصطناعي ودخوله في كافة التطبيقات الرقمية مستقبلاً.

ومما سبق يتضح أننا أمام واقع جديد نتوقعه خلال عشر سنوات من الآن، سيحقق عولمة حقيقية للإجراءات والممارسات الاقتصادية. فمن الاحتمالات أن يتمكن البعض من استخدامها لبيع العقارات من خلال منصات البلوك تشين الدولية، وهذا المثال نضربه لنوضح حجم الفرص من جهة والتحدي من جهة أخرى، وهو ما يعد بتقليص دور الدولة التقليدي الحالي في إثبات الملكية وإثبات نقلها، ولا يتجاوز هذا المثال أبسط نتائج إنتشار منصات البلوك تشين ووصولها للمستخدمين العاديين. والسؤال الكامن هو كيف يمكن لنا تقييم درجة استعداد أنظمتنا وتشريعاتنا لهذا المتغير الماثل بين أيدينا، ولا يفصلنا عنه إلا عقد من الزمان؟

وندعو متخدي القرار وراسمي السياسات، وقطاعات الخدمات الحكومية والتعليم والمصارف أن تبادر لدراسة تأثير هذه التكنولوجيا على أعمالها وأن تحدد الاستخدامات الممكنة لها. كما ندعو لتأسيس جمعية عربية للبلوك تشين، لتعمل كبوصلة معرفية وتكنولوجية وتشريعية للمستخدمين سواء كانوا حكومات أو شركات أو أفراد.

كما وندعو أن يتم رصد التجربة الحالية التي تتم من قبل حكومة دبي بعناية بل والتعاون معها وتفهم هذه التقنية بشكل جيد والوقوف على التجارب الدولية المختلفة، وتشكيل مجموعات متخصصة وخبيرة بهذه التكنولوجيا لبدء تطبيقها ونرى بأن المجال المتاح الآن والأسرع هو القطاع المصرفي. كما ندعو شركات تكنولوجيا المعلومات للدخول في هذه التقنية والاستثمار بها وبمواردهم البشرية لتلبية متطلبات السوق المقبلة والمتسارعة.

الخيار الأمثل الواضح أمامنا، هو الإسراع في دراسة وتحديد خياراتنا ومنهجنا في استخدام هذه التكنولوجيا، وتشريع ما يلزم، وبشكل تعاوني بين الدول العربية، واضعين بالاعتبار قدرة هذه التكنولوجيا على حل العديد من المشكلات الإدارية والبيروقراطية التي لطالما عانينا منها، وأبسط صورها في إصدار شهادات المنشأ للمنتجات العربية بشكل شفاف ومتاح وموثوق.