الحلقة السابعة : الطريق إلى السوق العربية الرقمية المشتركة

Share On:

د. م. علي محمد الخوري
يرى الاقتصاديون وخبراء التكنولوجيا بأن التجارة الإلكترونية تحمل مميزات جاذبة بشدة للمستثمرين وللمخططين بالمجال الاقتصادي العربي، لإنشاء منصات تجارة إلكترونية عربية، حيث سيكون لها تأثيرات هائلة، نذكر بعضها:​

يرى الاقتصاديون وخبراء التكنولوجيا بأن التجارة الإلكترونية تحمل مميزات جاذبة بشدة للمستثمرين وللمخططين بالمجال الاقتصادي العربي، لإنشاء منصات تجارة إلكترونية عربية، حيث سيكون لها تأثيرات هائلة، نذكر بعضها:

  1. من المتوقع أن ترفع منصات التجارة الإلكترونية مستويات رواج البضائع وتحفيز تجار التجزئة العرب والمصنعين والمنتجين – خاصة في قطاع التصنيع والزراعة – ومقدمي الخدمات على استخدام الإنترنت وتعزيز إنتاجهم خاصة في ظل توفر فرص الوصول لمئات الملايين من المستهلكين.
  2. انخفاض أسعار السلع كنتيجة مباشرة للتنافس بين الشركات وانخفاض الأعباء الرأسمالية والتجارية والتشغيلية بشكل عام، وهو ما سيعني انخفاض في معدلات التضخم.
  3. تحسين جودة حياة المواطنين القاطنين بالمناطق النائية والريفية مع تنامي قدرتهم على الوصول للبضائع والخدمات بشكل مساوي لسكان المدن.
  4. ارتفاع عدد الشركات التي يمكن أن تعتمد على التجارة الإلكترونية (B2B) في المنطقة العربية، وهو ما سيدعم القدرة التنافسية للشركات والمؤسسات والعمل بكفاءة أعلى.
  5. تنشيط ورفع كفاءة سلاسل التوريد في الدول العربية بالإضافة إلى تعزيز الترابط بين قطاعات الأعمال وهو ما من شأنه أن يدعم الرواج الاقتصادي، وتسريع معدلات النمو، وتمكين شبكة إنشاء القيمة الاقتصادية المضافة للتحرك بشكل أسرع وأكثر فاعلية وكفاءة.
  6. توافق معايير إنشاء وتشغيل منصات التجارة الإلكترونية العربية مع تلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي والمنصات العالمية الأخرى، وهو ما سيؤدي إلى توسيع نطاق وصول الدول العربية لأسواق دولية جديدة.
  7. حوكمة وحسن إدارة ونزاهة عمليات الشراء بالقطاعين العام والخاص، وهو ما تسعى إليه الحكومات لتوفير الشفافية والمساءلة، واحتساب الضرائب.
  8. وأخيرا وليس بأخر، إنشاء وظائف جديدة سواء على مستوى خدمات الدعم التقني والتسويق الإلكتروني أو تحليل البيانات، أو على مستوى خدمات التوصيل التي يمكن أن تتسع بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة مستقبلياً.

وبالنظر لهذه الفوائد الجمة والجوهرية للتجارة الإلكترونية في دعم الاقتصاد العربي، فإن الدور الحكومي يُعدّ محورياً في دعم وتنشيط هذا القطاع، وخاصة في التصدي للأسباب المعرقلة لجهود تحقيق النتائج المنطقية والتي من شأنها أن تساهم في تنوع الاقتصاد ودعم إجمالي الناتج المحلي.

كما أنه وعلى الرغم من أن التجارة الالكترونية تُعدّ بمثابة التطبيق الأبرز والأهم للتكنولوجيا المالية والمساحة التي تتحقق معها مفاهيم الشمول الرقمي، ووجود خطط استراتيجية عربية لتعزيز الشمول المالي والرقمي – يسعى معظم البنوك المركزية العربية والحكومات لتعميمها – إلا أننا لا نلحظ وصول هذه الخطط لبعض المفاهيم التي تم ترسيخها قانونياً وتنظيمياً بالتجمعات الاقتصادية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي ويقع على رأسها فرض معايير الثقة على سبيل المثال.

فضعف الثقة يشكل السبب الأبرز والأهم الذي يحجب الإقبال الواسع على أسواق التجارة الإلكترونية وتبرّر السلوك المتردد الكبير الذي نلحظه من مستخدمي تطبيقات التسوق عبر الانترنت لتفضيل خاصية الدفع النقدي عند الاستلام بدلاً من السداد من خلال بوابات الدفع الالكتروني. فقد أشارت إحصائية نشرتها ماستركارد العالمية في عام 2018 أن نسبة المدفوعات بالبطاقات الائتمانية في مصر لا تتخطى الـ 3% (علما بأنها تتجاوز 30% في الولايات المتحدة الأمريكية)، وهو ما يعكس التردد الكبير والقلق تجاه أمن وسلامة المدفوعات الرقمية من وجهة نظر المتعاملين في المنطقة العربية.

وهو ما يؤكد أهمية تبني منظومة عربية لفرض علامة الثقة على الأسواق الالكترونية لضمان حقوق المستهلكين سواء المالية أو التجارية أو المرتبطة بسرية البيانات والخصوصية – بما فيها حق الاسترداد والاسترجاع والاستبدال وتحمل التاجر للمسؤولية القانونية بنفس الدرجة التي يفرضها القانون في المتاجر التقليدية.

ثم أن التجارة الالكترونية تُمثل ترجمة مباشرة لمفهوم شبكة سلسلة القيمة المضافة حيث أنها تربط كافة سلاسل التوريد في أوضح صورها، بدءاً من المنشأ ومروراً بالجهات التي ستضيف القيمة للمواد الخام سواء كانت صناعية أو خدمية وانتهاء بتسلميها للمتعامل. ولو أردنا المقارنة بين النموذج التقليدي والذي يعتمد على وسائل التجارة القديمة، والتي تتضمن الكثير من التعقيدات والوسطاء والحاجة لمخازن والوصول لمتاجر التجزئة، فإننا سنجد المنصات الإلكترونية ترفع من مستوى قدرة المُنتِج على التواصل المباشر مع المتعامل النهائي بلا وسطاء، مما يسرع من الدورة الزمنية للإنتاج والتوزيع ويخفض من التكلفة ويُسوّق المنتج بسهولة أكبر، ولا شك بأن ذلك يَصّب في مصلحة المستهلك الذي ستعود عليه هذه المميزات في صورة خصومات وتخفيضات في الأسعار. ومن وجهة النظر الاقتصادية فإن مثل هذا الرواج يساعد على سرعة دوران الأموال بالسوق، أي أنه يسبب الانتعاش الاقتصادي لتوافر الأموال بالسوق الرسمي بدلاً من اختزانها بعيداً عن الاستثمار والذي من شأنه أن يؤدي إلى كساد وشح الأموال المتداولة بالسوق.

مازال حلم السوق العربية المشتركة والذي صاحب تأسيس جامعة الدول العربية ماثلاً أمام أعيننا، وهو الذي تم تعزيزه من خلال العديد من الاتفاقيات التجارية العربية، كما وتمثل مبادرة منطقة التجارة العربية الحرة التي انطلقت بمطلع هذا القرن تحدياً ورقماً صعباً وهاماً لم يحقق مبتغاه بعد، ولم يصل لطموح أمتنا العربية التي تتوفر لها كافة المقومات لتوجد السوق العربي المشترك على أرض الواقع. وها هي التكنولوجيا تقدم لنا اليوم حلاً عبقرياُ يمكنه تذليل الكثير من العقبات والصعوبات التي واجهت المراحل السابقة وخاصة في التبادل التجاري العابر للحدود.

فمن خلال ما هو متوفر اليوم من إمكانات تكنولوجية، يمكن بناء منصات إلكترونية تؤسس لسوق عربية رقمية مشتركة وتقدم حلولاً مبتكرة للتحديات الماثلة اليوم، وفي مواجهة البيروقراطية والتعقيدات التي لم يتمكن المسؤولين العرب المعنيين بتطبيق اتفاقية التجارة العربية الحرة من تجاوزها على مدى عقود من الزمن. وستمكن هذه المنصات الإلكترونية من تنظيم وتبسيط اجراءات تطبيق الاتفاقية، وربط أنظمة كافة السلطات التجارية والجمركية في بيئات إلكترونية، من شأنها أن تساعد المصدرين والمستوردين العرب من عقد صفقاتهم بصورة أفضل وأسهل.

ولعل أحد أهم هذه الصعوبات كانت شهادة المنشأ، والتي يمكن أن تصدر اليوم إلكترونياً، وتُطبق بشفافية أكبر، وبصورة محكومة وخاضعة للمعايير الرقابية الحكومية العربية. وأصبح من الممكن لمثل هذه المنصات تَتبُّع المنتج منذ إنشائه وحتى وصوله إلى الجهة المستفيدة، وهو ما سيُعدّ إنجازاً كبيراً في حال تحقيقه ومن شأنه أن يفيد في كثير من المتطلبات القانونية وكذلك في الحفاظ على حقوق المستهلكين.

إن العالم العربي لجدير بأن يمتلك سوقه المشترك، وقد وصل بنا الزمان لعصر التكنولوجيا الرقمية التي يمكننا فيه تحقيق هذا المشروع الحلم، الذي بدأ على أساس الفرص الواسعة للتجارة العربية البينية وجذب الاستثمارات في الدول العربية. ولعل الفجوة التجارية الكبيرة تتضح في الدول العربية عندما نرى بأن نسبة التجارة البينية العربية لا تتجاوز اليوم الـ 10%، خاصة إذا ما قارنّا هذه النسبة مع الدول الأوروبية، التي أسست استراتيجيتها الرقمية على مبدأ وعنوان كبير وهو “سوق رقمي موحد” (single digital market)، وهي تجربة تستهدف رفع نسبة التجارة البينية الأوروبية الحالية (66%) من إجمالي التجارة الأوروبية الخارجية.

ولكن وباللغة الإيجابية، فإن كل ذلك يعني بأننا أمام فرصة تاريخية فريدة للقفز بمعدلات الاستثمار والتصنيع والإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة. فبأبسط نماذج التحليل، نجد بأن السوق العربي موجود، ولكنه معتمد حالياُ على الأسواق الخارجية، والأمر لم يعد سوى أن يكون اختياراً واقراراً للاستفادة من سوقنا العربي لصالح الأمة العربية، من شأنه أن يدعم إنشاء فرص عمل جديدة وأسواق جديدة واقتصادات عربية أكثر انتعاشاً.