(سلسلة مقالات أسبوعية): الحوسبة السحابية Cloud Computing – المقال الرابع

Share On:

د. م. علي محمد الخوري

مقال نشر في الأهرام بتاريخ 18 أبريل 2019

المقال رقم 4

انتهينا في مقالاتنا السابقة بالتعرف على مفهوم شبكة إنشاء القيمة الاقتصادية المضافة وأهمية ارتباط كافة جوانب الأنشطة الاقتصادية بشبكة الإنترنت والتي تجمع الأفراد والمؤسسات والحكومات. وتحدثنا في المقالة السابقة عن أهمية البنية التحتية الأساسية للاتصالات للوصول بجودة وسرعة عالية لكافة المناطق السكنية، وبشكل يحقق المساواة بين سكان المدن والقرى والمواقع النائية.

وسنركز في هذه المقالة حول موضوع مكمل لخدمات الاتصالات، وشديد الارتباط باحتياجات الشركات والمؤسسات، حيث أنها ومن أجل أن تستفيد من مقومات عصر الاقتصاد الرقمي ومزاياه فإنها يجب أن تستخدم التطبيقات والخدمات التي تتناسب مع غاياتها ومتطلبات عملها وبشكل آمن، وهنا تجد الشركات نفسها أمام أحد اختيارين:

الخيار الأول: أن تمتلك بنيتها التحتية التكنولوجية (من خوادم، ووحدات تخزين البيانات، وأجهزة الحماية وأن توفر شبكات الاتصال لمواقع عملها داخل المبنى الواحد أو بأماكن ومدن ودول مختلفة، وحسب طبيعة الشركة. كما ويتضمن هذا الاختيار الاستثمار في تطوير تطبيقات وبرامج متوافقة مع احتياجات المؤسسة التنظيمية وأن تتوافق مع التشريعات التي تنظم بعض مجالات الأعمال وخاصة التجارية والمالية وكثيفة الخدمات. يرتبط هذا الاختيار بضرورة توظيف أقسام تقنية خاصة بالتشغيل والصيانة والمراقبة والدعم الفني، ويتطلب ذلك تكاليف مرتفعة تثقل كاهل المؤسسات المتوسطة والصغيرة والتي لا يمكنها تحمل التكاليف الباهظة لتشغيل واستدامة مثل هذه المنظومات.

الخيار الثاني: أن تلجأ المؤسسة إلى استئجار خدمات البنية التحتية سواء على مستوى التجهيزات أو التطبيقات، والذي أصبح يرمز إليه بإسم خدمات الحوسبة السحابية (Cloud Computing) وهي عبارة عن حلول تقنية تسمح للأفراد والمؤسسات بتخزين البيانات أو التطبيقات أو استخدامها على خوادم أو مراكز بيانات مركزية عبر شبكات متصلة بالإنترنت ودون الحاجة إلى شراء أو امتلاك الأجهزة، وبموجبه تكون الرسوم بقدر الاحتياجات وبنظام الاشتراكات السنوية، ولا تتطلب توظيف طواقم خدمة فنية، وهو ما ينعكس مباشرة على تقليص نفقات التشغيل والصيانة.

قد لا يكون الخيار الثاني هو الأمثل لجميع أنواع المؤسسات حيث أن بعضها قد تكون لديه متطلبات قانونية وأمنية ملزمة لأن تمتلك بنيتها التحتية وتديرها بشكل كلي تشمل كافة خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتوظيف المتخصصين والطواقم الفنية لإدارة هذه البنية التحتية.

ولكن، حيث يمكن أن نلاحظ بوضوح أن معظم الشركات اليوم أصبحت تلجأ لهذه الخدمات، خاصة لفوائدها المتعددة خاصة ومع تطور قدرات هذه الخدمات للتعامل مع إدارة البيانات الضخمة (Big Data) والأمن السيبراني، ومراقبة الجودة، بالإضافة إلى التطبيقات المتقدمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت خدمات متوفرة من خلال الحوسبة السحابية.

ولكن دعونا نفهم أكثر عن هذه التقنية التي أصبحت تتسع في رقعة انتشارها، وأصبحت تشكل منعطفاً جديداً في مسار التطور الاقتصادي العالمي. وسنتحدث عن الخدمات الرئيسية الثلاث للحوسبة الرقمية، والأسباب الرئيسية التي أصبحت تدفع المؤسسات لتبنيها ونماذج العمل الأربعة المرتبطة بها.

ولنبدأ أولا بالخدمات الرئيسية الثلاث التي توفرها الحوسبة السحابية:

  1. خدمات التطبيقات (Software As A Service SaaS): وهي طريقة يمكن من خلالها للمستفيد من استخدام البرامج وفق نظام محدد للترخيص والاشتراك. ومن أمثلة هذه الخدمة هي خدمات البريد الإلكتروني مثل (GMAIL, Hotmail, Yahoo) وغيرها، حيث يمكن للمشترك الوصول إلى بريده عبر أي متصفح، وبدون شراء وتثبيت البرنامج وصيانته والتي تبقى مسؤولية الجهة الموفرة للخدمة. ليس هذا النوع من التطبيقات فحسب بل أيضا تستخدم كوسيلة تسويق للبرامج المؤسسية الكبيرة والتي يتم بيعها عن طريق الاشتراك السنوي للمؤسسات والتي بدورها تخصصها لموظفيها ومتعامليها مثل برمجيات تخطيط وإدارة الموارد المؤسسية Enterprise Resource Planning ERP)).
  2. خدمات منصات تقديم الخدمة (Platform As A Service PaaS): ويهتم بهذه الخدمة المطورون للبرامج والتطبيقات، حيث أنها توفر بيئات عمل تمكنهم من استخدام لغات برمجية لتطوير أنظمتهم دون الحاجة إلى برامج أو أجهزة خاصة لتطوير أو اختبار أو تشغيل التطبيقات الجديدة. ومن أكبر الشركات التي تقدم هذه الخدمة هي أمازون وأوراكل وجوجل.
  3. خدمات البنية التحتية (Infrastructure As A Service IaaS): توفر هذه الخدمة الوصول إلى نظم تشغيل افتراضية عبر شبكة الإنترنت، وبعبارة أخرى، تمثل هذه الخدمة “مركز بيانات” متكامل ومتوفر على مدار الـ 24 ساعة وبمواصفات أمنية قياسية، تُمكّن المستفيد من تشغيل أنظمته وتطبيقاته من خلالها. وتعد شركتي أمازون ومايكروسوفت من أبرز مقدمي هذه الخدمة.

وينظر المستفيدون إلى هذه الخدمة على مستوى العالم أنها تقدم أربعة فوائد رئيسية وهي:

  1. تقليل الكلفة التشغيلية: تسمح للشركات و المستخدمين بالوصول إلى بياناتها أو تطبيقاتها دون الحاجة إلى إدارة بنية تحتية لتكنولوجيا المعلومات، ولا تتكبد نفقاتها وصيانتها، والتي غالباً ما تكون معقدة وتمثل تكلفة رأسمالية إضافية للشركة.
  2. السرعة والمرونة: يمكن القيام بالعديد من الأنشطة المؤسسية عبر الحوسبة السحابية وبسرعة هائلة ومن خلال نقرة زر، كما أنها مصممة للعمل بنظام 24/7
  3. إنجاز الأعمال والتركيز على المهام الرئيسية: استخدام هذا النوع من الخدمات قد يلغي الحاجة إلى الاعتماد على البرامج الحالية لتطوير وصيانة الأنشطة المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات وهياكل تنظيمية مساندة غير ضرورية، فضلاً عن أنه سيُغني عن الحاجة إلى وجود مباني وتجهيزات خاصة لغرف ومراكز البيانات في المؤسسات.
  4. مستوى الحماية وأمن المعلومات: خدمات الحوسبة السحابية يمكن تصميمها للعمل بضوابط ومعايير أمنية عالمية قياسية.

وتعمل أنظمة الحوسبة السحابية بمنظومات عمل مختلفة (Business Model)، يمكن اختصارها في أربعة نماذج رئيسية:

  • السحابة العامة (Public Cloud): وتعد أحد أكثر النماذج انتشاراً، حيث تتوفر خدمات الحوسبة السحابية ببنية تحتية مشتركة مطروحة للجميع دون تخصيص.
  • السحابة الخاصة (Private Cloud): وتقوم المؤسسات بتطوير مثل هذه السحابات المغلقة الخاصة لتلبية احتياجاتها من البنية التحتية الحاسوبية سواء على مستوى الأجهزة أو على مستوى البرمجيات، ولا تتم مشاركة هذه الموارد مع الجهات الخارجية. وتلجأ المؤسسات لهذا النموذج عندما يكون معياري أمن وخصوصية البيانات ومستوى التحكم هما المعيارين الأهم، حسب طبيعة هذه المؤسسات والتي غالباً ما تكون حكومية أو مصرفية.
  • السحابة المجتمعية (Community Cloud): وفيها يتم مشاركة مركز البيانات وخدمات الحوسبة السحابية بين مجموعة من المؤسسات ذات الطبيعة أو الاهتمام المشترك أو التي تتلاءم مع مجتمع معين (مثل المؤسسات التعليمية، أو البنوك وشركات التأمين، إلخ).
  • السحابة المختلطة أو الهجينة (Hybrid Cloud): يجمع هذا النموذج بين واحد أو أكثر من النماذج السابقة، بحيث تبقى الأنظمة مستقلة في مراكز الحوسبة السحابية، ولكنها تسمح بتبادل البيانات والموارد الحاسوبية بينها.

كانت هذه نبذة سريعة عن الحوسبة السحابية. والهدف الرئيسي من التعريف بهذه التقنية التي أصبحت تفرض نفسها على مجتمعاتنا كخيار استراتيجي، هو أن منظومة القيمة الاقتصادية التي تسعى المؤسسات إلى تحقيقها، يمكن أن ترفع من العوائد الاستثمارية بأضعاف ما هو عليه اليوم، كما أنها تدعم متطلبات المرونة والسرعة التي أصبح عاملا تنافسياً للمؤسسات.

وقد أظهرت دراسة لمجموعة بوسطن الاستشارية بأن الشركات الصغيرة والمتوسطة التي اعتمدت على التكنولوجيات القائمة على الحوسبة السحابية، ارتفعت إيراداتها بنسبة تفوق الـ 15% مقارنة بالشركات التقليدية. كما وجدت الدراسة تأثيراً كبيراً في نمو الشركات المعتمدة على هذه التقنية بضعف المعدل المتوسط من حيث فرص العمل التي أنشأتها، وهو ما ينعكس مباشرة على المنظومة الاجتماعية والاقتصادية في محيطها.

ووفقا للإحصاءات الرسمية في دول الاتحاد الأوروبي، فإن أكثر من نصف الشركات الكبيرة (56%) وربع الشركات الصغيرة والمتوسطة (26%) في الدول الأوروبية تستخدم الحوسبة السحابية. ولكن الاحصاءات التجارية الأخرى تشير إلى أن هذا الرقم يتجاوز هذه “التقديرات المتحفظة”، إذ انه ووفقا لدراسات احصائية أخرى، فإن النسب تصل إلى 90% في الشركات مثل المملكة المتحدة على سبيل المثال.

وتشير الاحصاءات العالمية إلى أن تصل النسب العالمية لاستخدام خدمات الحوسبة السحابية لأكثر من الضعف خلال خمسة أعوام، وأن تنمو إيرادات شركات الحوسبة السحابية من 272.0 مليار دولار في عام 2018 إلى 623.3 مليار دولار بحلول عام 2023، مع الإقبال المتزايد من المؤسسات على هذا النوع من الخدمات، خاصة ومع دخول الشركات العالمية الكبرى مثل أمازون ومايكروسوفت وعلي بابا وغيرها للتسويق والترويج لهذه الخدمات.

وبالنظر إلى إمكانات هذه التقنية، فإن مساهمتها في تسريع التحول الرقمي في المنطقة العربية أمر لا بد من الانتباه له، خاصة وأن هذه التقنية أصبحت تدعم تنافسية واستدامة الشركات الصغيرة والمتوسطة. فحسب احصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن هذه الشركات توفر وظائف لما يقارب ثلاثة أرباع قوة العمل في مصر، وهو ما تظهر معه مدى المساهمة المحتملة وتأثيرها على معدلات النمو الاقتصادية في المنطقة العربية، خاصة في ظل خطط التنمية التي تسعى للاعتماد أكثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة في دعم التنمية الاقتصادية بأغلب الدول العربية.

كما أن هذه التقنية تمثل فرصة مثالية لتطوير منظومة القطاع العام، وتمكين تحسين الخدمات وكفاءتها. ومن اللافت أن الحكومات بدأت تتجه لتبني استراتيجيات وسياسات لنقل أنظمتها وخدماتها للحوسبة السحابية خاصة المرتبطة بتطبيقات تقديم الخدمات للمواطنين، وهو ما يؤدي لتحقيق وفورات ضخمة في الميزانيات المخصصة عادة لخدمات تكنولوجيا المعلومات كنتيجة لتطبيق هذه السياسات.

وقد استثمرت كثير من دول مجلس التعاون الخليجي في تطوير أنظمة معتمدة على الحوسبة السحابية تمكنت من خلالها تحقيق مكاسب إنتاجية مرتفعة، خاصة وأن هذه الأنظمة مَكّنت الكادر الوظيفي الاتصال بالأنظمة من أي مكان وفي أي وقت، وتحسين قنوات التواصل مع الموظفين والمتعاملين سواء.

ومعه، نأمل أن تدخل الاستثمارات العربية هذا المجال لتؤسس شركات عربية كبرى تنشئ مراكز بياناتها فوق الأراضي العربية وتديرها لمصلحة الوطن العربي، وبالمعايير الدولية التنافسية. وهو مجال عمل يستوجب التنظيم التشريعي لتحفيز الاقتصاد المحلي ووجود قوانين تنص على حماية حقوق المستخدمين وتأمين بياناتهم بشكل كامل والعربي، وتشجيع الجهات الحكومية والخاصة، المحلية والعربية ونعتقد أن تأسيس هذه الشركات العربية فوق أراضي عربية وخاضعة للقوانين المحلية سيكون عامل أمن واطمئنان كبير يشجع على التوسع في هذا النوع من الاستخدامات.

إجمالاً، تمثل الحوسبة السحابية حلاً فريداً للمستثمرين لتخفيض نفقاتهم الرأسمالية المرتبطة بالبنى التحتية التكنولوجية، ويحول النموذج الاستثماري التقليدي المكًلف إلى نموذج استئجاري ذو نفقات بسيطة جداً، وهو ما يعود على قدرة هذه المؤسسات الإنتاجية ويخفض من تكلفتها ويساهم في تعزيز وضعها التنافسي وهذا ما يسعى له متخذ القرار الاقتصادي بشكل عام.

ومع التحولات الرقمية المتسارعة، لا شك بأن الحوسبة السحابية تمثل خيارا مجدياً لتطوير العديد من التطبيقات الخاصة لقطاعات الأعمال المتخصصة مثل التعليم الرقمي والتطبيب عن بعد واستخدام الذكاء الصناعي في التشخيص الطبي، والتي سيصعب على أي جهة منفردة تَحمُل نفقاتها، ولكن سيكون مجدياً مع التوسع في قاعدة المستخدمين والمستفيدين. إننا نتوقع أن هذا النوع من السحابات المتخصصة سيكون لها دور كبير في تطوير واقع قطاعات الأعمال المتخصصة ولا سيما في مجال مثل التعليم والذي بدأت معظم الدول بتبني منظومات تعليمية تعتمد على التكنولوجيا الرقمية، وهو ما سينعكس إيجابيا بشكل كبير على أهداف تلك القطاعات وخططها التنموية.

ولا شك بأن المؤسسات اليوم تعترضها مخاوف عديدة مرتبطة بأمن البيانات والخصوصية للتحول من مفهوم “الأصول التقليدية” إلى مفهوم “المُمَكِنات الافتراضية”، لكن المنهج الإداري والفكري التقليدي لا يتناسب مع عالم الاقتصاد الرقمي، الذي أصبح يقود العالم باتجاه واحد وان اختلفت المسارات، وخاصة مع الفرص التي يوفرها، والمرتبطة تحديدا بإيجاد فرص عمل جديدة، وعوائد استثمارية جاذبة. ولعل الوقت سيظل العامل الجوهري الذي سيحسم الخيارات لصالح هذه التقنيات!

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي