(سلسلة مقالات أسبوعية): البنية التحتية لخدمات اتصالات البيانات ذات النطاق العريض – المقال الثالث

Share On:

د. م. علي محمد الخوري

مقال نشر في الأهرام بتاريخ 11 أبريل 2019

المقال رقم 3

تحدثنا بالمقالين السابقين عن مفهوم الاقتصاد بشكل عام، وبينّا أن العملية الاقتصادية لا تتحقق ما لم يكن هناك تفاعلاً بين طرفين، مبرره حاجة طرف لمنتج أو خدمة، وتوافرها لدى الطرف الآخر. وأوضحنا بأن توافر المورد ذا القيمة الاقتصادية لدى جهة ما تظل قيمة محتملة غير محققة، ولكن تظهر قيمتها عند طلبها وانتقال ملكيتها من طرف إلى طرف آخر من خلال سلاسل القيمة. كما بيَّنَا أن سلاسل القيمة ما هي إلا شبكات إنتاجية تربط المصالح الاقتصادية عبر علاقات متكاملة ومتداخلة، وأن الحلول التكنولوجية المتوفرة اليوم تساهم بشكل رئيسي في ربط مكونات وأطراف هذه الشبكة، بل وأصبحت متغلغلة في حلقات إنشاء القيمة المضافة ذاتها.

وسنفرد في هذه المقالة حديثنا عن البنية التحتية التكنولوجية والمرتبطة بالاتصالات، لتوضيح أهميتها ودورها في بناء اقتصادات معرفية تنافسية مرتكزة على الابتكار، من شأنها أن تدفع بنمو الناتج الإجمالي وتوجد فرص عمل جديدة وتدعم خدمات البنية التحتية الأخرى.

البنية التحتية للاتصالات الرقمية يمكن تشبيهها تماماً على غرار البنية التحتية للمواصلات على سبيل المثال، والتي تنقل الأفراد والبضائع والمواد كالطرق والجسور، ومشابهة أيضا لوسائل النقل كالسيارات والقطارات والطائرات والبواخر، وكذلك للمرافق التنظيمية مثل المطارات والموانئ. فأهمية البنية التحتية للاتصالات ظهرت مع التطورات التكنولوجية التي أوجدت حاجة مستجدة في مجتماعاتنا لأنظمة الاتّصالات الحديثة السلكيّة واللاسلكيّة لنقل البيانات والمعلومات الرقمية بدقة وسرعة وموثوقية، وأصبحت تتكون معها ما يسمى اليوم بـالمجتمعات الشبكية (Networked Societies).

إن تنوع المعاملات الرقمية التي تتطلب نقل البيانات اليوم من نقطة لأخرى – أي من طالب الخدمة للجهات التي ستستخدمها حسب الإجراء المرتبط بالمعاملة – يفوق الحصر، لا سيما مع التوجه العالمي لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. وعلى سبيل التوضيح، سنسرد بعض الأمثلة التقريبية لهذه المعلومات وحالات استخدامها:

  • تحويل الأموال: أصبح ممكنا اليوم في ثواني معدودة تحويل ونقل الأموال من خلال مراكز خدمة أو عبر الأجهزة الذكية والهواتف المتحركة. وتمر إجراءات التحويل بشكل مؤتمت كلياً تتضمن مراحل التدقيق والاعتمادات المتعددة (مثل التدقيق على أسعار تغيير العملة وتثبيت العمولة وسعر التحويل والتأكد من مطابقتها للمتطلبات الأمنية المحلية والدولية، والقيود الاقتصادية التي قد تفرضها بعض الدول على حجم التحويلات)، وهي اجراءات كانت تتم من وقت قريب بشكل يدوي أو شبه يدوي.
  • التجارة الإلكترونية: وتشتمل على بيانات البضائع والخدمات وإجراءات الدفع الإلكتروني، بالإضافة إلى الحملات الترويجية والتسويقية والعروض والخصومات التي تعرض من خلال المواقع الإلكترونية أو وسائل التواصل المجتمعي أو البريد الالكتروني أو الرسائل النصية. كما وتشمل التراسل والمفاوضات حول الأعمال والتي قد تنتهي بالتعاقد والاتفاق التجاري بين الشركات ومع الأفراد.
  • المدن الذكية: وفيها تظهر أهمية الاتصال الشبكي بشكل أكبر، حيث تستطيع الأجهزة والآلات المتصلة بشبكة الإنترنت (كالسيارات وإشارات المرور، وإنارات الإضاءة في الشوارع وكاميرات المراقبة وغيرها) التواصل فيما بينها للقيام بمهام مختلفة والتحكم فيها من خلال الشبكة. وقد تعجز الكتابة عما يمكن تخيله من تطبيقات في هذا المجال، والتي يمكن ببساطة أن تقوم فيه الأجهزة – سواء المنزلية أو في المحال التجارية والمصانع – بطلب ما ينقصها إلكترونياً، وكجزء من سلاسل التوريد الذكية، إضافة إلى الاستلام الآلي للبضائع. وتضيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً في المدن الذكية وذلك في قدرتها على الاتصال وتحليل البيانات الكبيرة والمعقدة واتخاذ أو دعم صناعة القرار.

ما سبق هو فقط أمثلة بسيطة توضح أن الشرط الأساسي لإنشاء شبكة القيمة المسؤولة عن انسياب الحركة الاقتصادية في المجتمعات الرقمية، هو وجود اتصال الأطراف الشبكي كوسيط حواري وناقل للبيانات والمعلومات. ومفهوم الأطراف هنا لم يعد مقتصراً على المجتمعات الإنسانية، بل ووصل كما أوضحناه إلى الآلات والأجهزة التي أصبحت متصلة ببعضها البعض إذ تقوم بجمع وتبادل البيانات وهو ما يعرف بإنترنت الأشياء (IoT) والتي تعد إحدى مرتكزات مجتمعات المستقبل ومكوناته مثل المدن الذكية والسيارات ذاتية القيادة والروبوتات وغيرها.

ولا يمكن التردد اليوم في تأكيد احتياج الأفراد والشركات والحكومات إلى الوصول الموثوق والمتسع المجال إلى شبكات البيانات والاتصالات والخدمات الرقمية التي تتسم في مضمونها بالمرونة، وفي أدواتها بالدقة والسرعة والكلفة الأقل، في ظل تراجع تكاليف الأجهزة وظهور التطبيقات المُبتكرة.

ونظرا لما تمثله البنية التحتية للاتصالات من أهمية محورية لتفعيل الاقتصاد الرقمي وتطور البلدان، فقد وضعت المنظمات الدولية مثل الاتحاد الدولي للاتصالات والتابع للأمم المتحدة عدة مقاييس هامة لقياس فعالية البنية التحتية بالدول والتي تحدد مستوى نضوج ووصول الخدمة للمستويات المطلوبة. وتهتم هذه المقاييس بعدة أبعاد رئيسية، تمثلها مؤشرات مثل:

  1. نسبة اشتراكات الهاتف الثابت إلى عدد السكان.
  2. نسبة امتلاك اشتراكات بالهاتف النقال.
  3. نسبة اشتراكات النطاق العريض من خلال الهواتف النقالة.
  4. نسبة الاشتراكات بخطوط النطاق العريض الثابتة (بالمنازل).
  5. نسبة الأسر التي لديها جهاز الكمبيوتر منزلي.
  6. نسبة الأسر القادرة على الوصول إلى الإنترنت من خلال المنزل.
  7. نسبة الأفراد الذين يستخدمون الإنترنت.

وتمنح هذه المؤشرات السبعة صورة شمولية عن مستوى وحجم نفاذ الإنترنت بأي مجتمع، ومن خلالها يمكن الربط والاستنتاج مباشرة عن وضعية الاقتصاد وفرص التنمية فيها. وقد أكدت الدراسة التي أعدتها جامعة الدول العربية عن الاقتصاد الرقمي العربي بالتعاون مع جامعة هارفرد والمنظمات الدولية، أنه يوجد علاقة وثيقة وطردية بين مستوى النفاذ الرقمي (Digital Penetration) بالمجتمعات، ومستوى رفاهية وارتفاع دخل وقوة الاقتصاد. كما وأوضحت الدراسة ذاتها، بأن من شأن تبني مفاهيم الاقتصاد الرقمي أن يساهم في مضاعفة الناتج الوطني العربي ليصعد من حوالي 2.5 ترليون دولار المُقدّر حالياً، ليصل لأكثر من 4.5 ترليون دولار بحلول عام 2030.

وبمقارنة مؤشرات العالم العربي بالمتوسط العالمي، سنجد أن متوسط نتائج الدول العربية أدنى بكثير وخاصة في مؤشرات خدمات النطاق العريض (Broadband). فعلى سبيل المثال نجد بأن المؤشر العربي لاشتراكات باقات البيانات عالية السرعة (3G-4G) للخطوط الثابتة تصل إلى 5% مقارنة بـ 31% في الدول المتقدمة كدول الاتحاد الأوروبي وذلك حسب تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات الصادر في 2018. وهو ما يتضح معه بأن نسبة جاهزية وانتشار البنية التحتية لخدمات الاتصال ذات النطاق العريض بالعالم العربي لاتزال في منتصف الطريق، ولم تنضج كفايةً بعد لتصل لشريحة أكبر من السكان، وهو الأمر الضروري والملزم لتحقيق التشغيل الفعال لشبكة سلاسل إنشاء القيمة الاقتصادية التي أوضحنا أهميتها.

تتطلب البنية التحتية الرقمية ولا سيما الخاصة بالاتصالات السلكية واللاسلكية في المنطقة العربية اليوم استثمارات كافية في البنى التحتية الرقمية وفتح الباب للمنافسة في توفير الشبكات والخدمات عالية السرعة للحصول على أفضل انتشار جغرافي لخدمات الاتصال ذات النطاق العريض – عالية الجودة – وبكلفة أقل. هذا إلى جانب الحاجة إلى التغيير التشريعي والتنظيمي، لتشجيع المستثمرين للتوسع في الاستثمارات في خدمات اتصالات البيانات وتخصيص رؤوس المال المناسبة للاستثمار في تطوير التطبيقات القائمة على هذه البنية التحتية لتحقيق أقصى فائدة من إمكانات للتحول الرقمي.

ونتوقع أنه ومع وصول التغطية الشبكية والنفاذ الرقمي لأكبر نسبة من السكان في المنطقة العربية، أن يساهم ذلك في ارتفاع حجم الاستفادة من الفرص الاقتصادية الرقمية، ويعود إيجاباً على الاقتصاد العربي لعدة أسباب ومن أهمها: ارتفاع نسبة الشمول المالي (إمكانية الوصول إلى المنتجات والخدمات المالية مثل المدفوعات والائتمان والتأمين، وغيرها لتحفيز الأنشطة التجارية)، وانضواء نسب كبيرة من الأعمال التجارية في المنظومة الرسمية، بالإضافة إلى ارتفاع قدرة قطاعات الأعمال المختلفة على تنمية نتائج أعمالها كنتيجة مباشرة للاتصال بسلاسل القيمة المضافة واندماجها الكامل مع شبكة اقتصادية عالمية أوسع. ومن شأن ذلك أيضا أن يساهم في تطور المنظومة الحكومية ليس فقط على صعيد وصول الخدمات للمستفيدين من الأفراد أو المؤسسات، بل كرافد أﺳﺎﺳﻲ ومنظم ﻟﻠﻨﻤﻮ اﻻﻗﺘﺼﺎدي والاجتماعي.

إذا فالاستثمار في البنية التحتية للاتصالات في المنطقة العربية أمر حتمي، لأنها أصبحت ركيزة محورية لتطور وتقدم مختلف القطاعات، كالتعليم، والصحة والصناعة، والتجارة وغيرها، والتي تحرك وتسهم في نمو الاقتصادات الوطنية وتدعم تنافسيتها. وببساطة شديدة، نجزم يقيناً أن نجاح الدول في توظيف الإمكانات والفرص التي تتيحها الثورة الثورة الصناعية الرابعة، لن تعيد ترتيب الاقتصادات المؤثرة على الخريطة العالمية فحسب، بل ستحدد قدرة الدول على تلبية متطلبات التنمية والتطور لمجتمعاتها.

علينا كدول عربية أن نواجه الفجوة الرقمية التي نعاني منها والتي تتجلى أوضح مظاهرها في حجم الاقتصاد المرتبط بالإنترنت بالعالم العربي والذي يتراوح بين الـ 1% و 4 % من إجمالي الناتج المحلي في أفضل الأحوال. ولو قارنا ذلك مع أفضل الدول المستفيدة من الاقتصاد المرتبط بالإنترنت، سنجد أن دولة مثل الصين قد ساهم اقتصادها الرقمي في حوالي 30% من إجمالي الناتج الاقتصادي الصيني. ومن ناحية أخرى أشارت دراسة حديثة أعدتها شركة إريكسون أنه ثبت وجود علاقة طردية بين نمو اشتراكات النطاق العريض للهاتف النقال (Mobile Broadband MBB) والناتج المحلي GDP، يقدر بأنه مقابل كل نمو 10% لاشتراكات MBB ينمو الناتج المحلي بحوالي 0.8%. وبالنظر إلى فرص النمو المتاحة في نشر البنية التحتية للهاتف النقال ذو النطاق العريض على سبيل المثال، نجد أن الدول العربية يمكنها أن ترفع معدلات النمو السنوية بحوالي 3% على الاقل خلال فترة تتراوح بين العامين والثلاثة فقط كنتيجة لهذا النمو بالبنية التحتية، وهو ما يعني انخفاض مناظر بمعدلات البطالة، هذا فضلاً عن تطلب التكنولوجيا الرقمية والإنترنت لوظائف وتخصصات جديدة سيتنامى الطلب عليها بشكل خاص كلما تزايد اختراق الانترنت وشبكات الاتصال الرقمية السريعة للمجتمعات العربية، وهو ما يعني توفير مئات الآلاف من الوظائف، وانخفاض معدلات البطالة بشكل ملموس واستراتيجي.

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي