(سلسلة مقالات أسبوعية): التكنولوجيا ودورها في تعزيز سلاسل انتاج القيمة الاقتصادية – المقال الثاني

Share On:

د. م. علي محمد الخوري

مقال نشر في الأهرام بتاريخ 4 أبريل 2019

المقال رقم 2

انتهينا في المقالة السابقة بتعريف الاقتصاد ومفهوم القيمة المرتبطة بالمنتج أو الخدمة، وارتباطها الوثيق بقوانين العرض والطلب والتي تؤثر في حركة وتوازن الأسواق. ثم تطرقنا لمفهوم سلسلة القيمة والتي تعبر عن مجموعة من الأنشطة المختلفة، وتسهم في إضافة القيمة للمنتجات والخدمات. وأوضحنا أن هذا المفهوم يقودنا لمفهوم أكثر شمولية وهو شبكة القيمة المضافة، وأوضحنا كيف أن مثل هذه الشبكات لا تتشكل باتجاهات طولية فقط، بل وتتقاطع عرضيا مع نهايات سلاسل لمنتجات وخدمات أخرى، وأنها وبدون هذه السلاسل العرضية لن تتقدم السلسة الطولية، ولن تتكوّن معها القيمة المضافة

في عالم الاقتصاد، يمثل كل إنسان وكل مورد بحد ذاته قدرة اقتصادية، ولن تظهر قيمتها ما لم تتحرك لتلبية مطلب إنسان آخر؛ فالمزارع قد لا يجد لمنتجاته أي قيمة ما لم يطلبها غيره. وبالتالي فإن أي إنتاج غير مطلوب لن توجد له أي قيمة اقتصادية؛ وبلغة الماليين ستعود بالخسائر لعدم البيع وسبب لبوار البضاعة

ولنفهم طبيعة الاقتصاد ولتقريب الصورة أكثر، لنأخذ التشابه بينها وبين الدائرة الكهربائية. فالتيار الكهربائي يحتاج لكي يمر بالدائرة لقطبين، أحدهما موجب والثاني سالب، وذلك لتتحرك الإلكترونات من مصدر القدرة الأعلى (القطب الموجب) إلى مصدر الطاقة الأقل (القطب السالب). ويمكن تصوير مصدر الطاقة الأعلى ككل ما يتم تصنيعه أو إعداده بغرض البيع كالمنتجات الصناعية والزراعية والخدمية، ويمكن تمثيل مصدر الطاقة الأقل كالجهة المتلقية للمنتج كالمستهلكين أو المستفيدين من الخدمة أو المنتج نفسه

وكما نعلم بأن سريان التيار الكهربائي بين القطبين لا يمكن أن يتم ما لم يتصلا من خلال سلك أو نوع من أنوع الموصلات الكهربائية. وعلى غرار ذلك، فإن المنتج لن يصل للمستهلك ما لم يجد الوسيط، باعتباره الموصل للبضاعة أو الخدمة، والوسيط هنا قد يكون شركات النقل والشحن أو الوكلاء والموزعين والتجار وغيرهم

ولو استطردنا في هذه المقاربة قليلاً، فإننا سنجد فيها كثير من المفاهيم المشتركة مع الطبيعة الاقتصادية، مثل مفهوم فرق الجهد وشدة التيار والمقاومة. ففرق الجهد يماثله اقتصاديا وفرة الإنتاج، وشدة التيار تمثله شدة الطلب من السوق، ثم أن المقاومة الكهربائية تتناسب طردياً مع طول السلك الموصل ونوعيته وطبيعة المكونات التي تعوق وصلات هذا السلك؛ والتي كلما زادت كلما زادت المقاومة

وبلغة الاقتصاد البسيطة، فإن ذلك يعني أنه كلما طالت سلسلة القيمة المضافة وزادت الوحدات الاقتصادية المرتبطة بها، كلما زادت التكلفة والأسعار، كنتيجة للشحن والنقل والتخزين وما هنالك من تلك الأمور

إذا فبافتراض أنه لو أمكن تقليص طول سلسلة القيمة، وتقليص المسافة بين المنتج والمستهلك، فإن هذا من شأنه أن يدعم مستوى الإنتاج وخفض التكلفة وزيادة الأرباح؛ وهو ما يمكن أن نسميه بالانتعاش أو الرواج الاقتصادي. والعكس صحيح أيضا، فكلما زادت نقاط التعقيد والتوصيل والمسافة بين المنتج والمستهلك، كلما زادت الأعباء والتكلفة وأصبح المنتج غير متاح أو مرتفع التكلفة، فتنخفض حركة المنتج ويقل الطلب عليه، وهو ما يسمى بحالات الإنكماش أو الكساد الاقتصادي

ما بيناه الآن من مفهومي الرواج والكساد ليس فقط بين طرفي سلسلة القيمة التي تحدثنا عنها، بل هو بين كل حلقة مرتبطة بتوليد القيمة والتالية لها. وبالنظر لما أوردناه عن شبكة القيمة المضافة والتي تتقاطع فيها سلاسل القيمة، سنجد أننا دخلنا إلى دائرة أكثر تعقيداً. ولكن ما يهمنا من هذه المقاربة أن نستنتج أن الحركة الاقتصادية وانتعاشها ممكنة في حال وجود رابط يُمكّن الاتصال المعرفي بين مكونات الشبكة الاقتصادية بالشكل المناسب والفعّال. فالتواصل المعرفي بين المُصْدِر  والمتلقي، سيُمكّن التعرف على حالة السوق وتحديد المتطلبات، كمعلومات التنبؤ عن احتياجات السوق المستقبلية وليتمكن المنتج والمستثمر (المُصْدِر  في سلسلة القيمة) من توجيه قدراته ليوفي بحجم الطلب بالسوق المتلقي بسلسلة القيمة

وهذه هي الثلاثة عناصر الأساسية لخلق القيمة الاقتصادية بوجود الطلب والمنتج، والاتصال بين المتلقي والمُصْدِر. فانعدام الاتصال بين القطبين سيمنع وصول البضاعة لطالبها رغم وجود الطالب ووجود المنتِج، ولا يمكن بدونها استكمال الدائرة، وستنقطع القيمة المضافة وتنعدم اقتصادياً لتتحول لخسارة

في عالمنا الثائر تكنولوجياً اليوم، الدول أو المجموعات الاقتصادية التي ستتمكن من وضع قدراتها الاقتصادية والإنتاجية في شبكات القيمة المضافة، ستتمتع بفرص نمو اقتصادية أفضل بكثير، لأنها ستحقق الرواج الاقتصادي. ثم أن التحول لآليات الاقتصاد الرقمي من شأنه أن يوفر فرص كبيرة ومتنوعة لمواكبة المتطلبات التنموية الاجتماعية والاقتصادية، ويكون داعماً وممكناً لتحقيق الرخاء الاقتصادي ورواجه

ففي الاقتصاد الرقمي، نجد أن التكنولوجيا الرقمية تعاظم دورها اليوم لتقدم أدواراً كبيرة في تعظيم قدرات شبكة القيمة المضافة، ولا سيما تحقيق الاتصال المعرفي بين مكونات سلاسل القيمة المختلفة لتربط بين حلقات الإنتاج وتنشيط الطلب والقيمة الاقتصادية المضافة. وتكمن هنا قدرة التكنولوجيا على تحرير القيود التي تعيق وصول المُصْدِر  إلى المتلقي

وكذلك يمكن للتكنولوجيا أن تعزز قدرة المنتج على زيادة الإنتاج وجودته. كما وتمنح التكنولوجيا فرصة فريدة للمتلقي أو المستهلك في اختيار ما يرغب به وتسجيل رغباته سواء بشكل مباشر مثل حالات الطلب الرسمية أو من خلال معرفة بياناته واحتياجاته وميوله، وهو ما أصبح اليوم وظيفة كبيرة وهامة تقوم به تكنولوجيات تحليل البيانات الكبيرة  والتي يمكن بموجب هذه البيانات والمعارف أن يقوم المُصْدِر  أو المنتج أن يوجه انتاجه ويخطط له بما يمكنه من توفير منتجات تحقق هذه المتطلبات

وبالعودة لمفهوم سلسلة القيمة، فإننا أوضحنا أن كل حلقاتها مرتبطة بعلاقة مستمرة بين المُصْدِر والمتلقي، فالمتلقي بالمرحلة الأولي سيتحول لمُصّدر للمتلقي بالمرحلة الثانية وهكذا. وبتوسيع نطاق الرؤية سنكتشف أن حقيقة الواقع الاقتصادي يتكون من سلاسل قيمة متشابكة، لتشكل هذه الشبكة حالة سحابية ضخمة من نقاط التواصل لتفعيل حالة تلبية الطلب بين المُصْدِر والمتلقي، وبشكل متتابع ومتقاطع

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزز هذا التواصل؟ وكيف يمكن تفعيل الرابط بين المنتج للقيمة وطالبها؟

الحقيقة أن الحلول التكنولوجية المتعددة والمتوفرة اليوم والتي يمكنها أن تنجز تلاحم نقاط شبكة انتاج القيمة المضافة كثيرة جداً، وسنحاول تسليط الضوء على بعض تلك التقنيات، وخاصة التي لها دور رئيسي في سلاسل القيمة المضافة. وسنتعرض لكل نوع منها بمقال منفصل لاحقاً

خدمات الاتصالات المتطورة ذات النطاق العريض broadband infrastructure 

وهي معنية بتمكين الأفراد والمؤسسات للوصول إلى الإنترنت بسرعة وجودة عالية، وتعد من مقومات الاقتصاد الرقمي، وضرورة أساسية لا يمكن بدونها لأي مكون من مكونات سلاسل القيمة سواء كان مُصدِرا أو متلقياً الاستفادة من شبكة القيمة المضافة وما توفره الحلول التكنولوجية المختلفة من فرص تنموية هائلة

الحوسبة السحابية Cloud Computing

وتشير إلى الأنظمة الحاسوبية من تطبيقات وحلول تقنية والتي يمكن للشركات وقطاعات الأعمال استئجارها بدلاً من تطويرها ودون الحاجة إلى الاستثمار أو شراء خوادم وحواسيب وشبكات باهظة الثمن. وتوفر جهات الاستضافة منصات لخدمات تكنولوجية مختلفة عن طريق الإنترنت من استخدام للخوادم ومساحات التخزين والتطبيقات بشكل آمن، مع تميزها بالمرونة والسرعة والقابلية للتوسع حسب الحاجة، وهو ما شأنه أن يساهم في دعم الشركات للتحول من النفقات الرأسمالية إلى النفقات التشغيلية، ومساعدتها في التركيز على تطوير وابتكار منظومة الإنتاج والقيمة

خدمات تكنولوجيا الأموال fintech

التكنولوجيا المالية هي صناعه جديده للتكنولوجيا التي تطبق التقنيات المتطورة لتحسين الأنشطة المالية وهي الخدمات التي تخدم القطاع المالي مثل تطبيقات البنوك وتطبيقات الدفع الإلكتروني وتحويل الأموال بأشكلها المختلفة، وتعتبر التجارة الالكترونية أحد أهم مجالات التقاطع لتطبيق مفاهيم تكنولوجيا الأموال. ومن المتوقع أن تشكل هذه التكنولوجيا تحدياً ومنافسة كبيرة للقطاع المصرفي التقليدي

التجارة الإلكترونية eCommerce

تمثل التجارة الإلكترونية أوضح مثال للتواصل بين المُنتِج أو المُصنّع والمستهلك، فهي تمثل عمليات البيع والشراء بشكل عام من خلال المتاجر الإلكترونية على الإنترنت. وتتنوع التجارة الإلكترونية بأشكال مختلفة تشمل الحكومات والمؤسسات والأفراد، ومنها التجارة بين الشركات (B2B)، والشركات والحكومات (B2G) ومنها بين الشركات والأفراد (B2C)، وهي تضم بداخلها شبكات واسعة جدا للقيمة المضافة

البيانات الكبيرة: Big Data

وتشير إلى حزم من البيانات الكبيرة والمعقدة التي يصعب التعامل معها من خلال الأنظمة التقليدية. وتكمن أهميتها في أنه وبعد تجميع هذه البيانات وتحليلها، فإنها ستصبح ذات قيمة عالية جداً كأن تعطي معلومات دقيقة عن أوضاع السوق ورغبات المستهلكين وتساعد في توجيه المنتجات المناسبة ووفقا لرغبات المستهلكين، وهو ما من شأنه تنشيط عمليات التجارة وضبط منظومة الإنتاج لتكون متوافقة مع متطلبات السوق والمنافسة

سلاسل الكتل Blockchain

تمثل هذه التقنية الحديثة ذروة المعاملات الاقتصادية والمالية وخاصة في ميدان التجارة الإلكترونية بين الشركات (B2B)، حيث يمكن تسجيل وأتمتة والتأكد من صحة الإجراءات المالية والتجارية والاتفاقيات ومراقبة تنفيذها بمستويات أمنية غير مسبوقة. ومن شأن هذه التكنولوجيا إحداث ثورة في عالم الأعمال لما تملكه من إمكانات متقدمة في مجالات إنشاء الأصول الرقمية الآمنة وتحسين تقديم الخدمات وتبادل المعلومات بين الأطراف المختلفة وتطوير سلاسل التوريد، كما أنها تهدد بإلغاء قطاعات حكومية وخاصة، تأتي البنوك وشركات تحويل الأموال على رأس هذه القائمة

الذكاء الاصطناعي: Artificial Intelligence

ستمكن هذه التقنية سرعة ودقة اتخاذ القرارات، وذلك من خلال قدرتها على الإدراك والاستدلال والاستنتاج والقدرة على التعلم، أي أن بمقدور هذه التقنية محاكاة الأنماط البشرية من فهم اللغات والأحاديث والصور وردود الأفعال والتعامل مع المعطيات المختلفة بشكل مماثل بل ويفوق الذكاء الإنساني. وسيكون للذكاء الاصطناعي دور مهم في قطاع الأعمال حيث لم يعد ينافس الموظف البشري من حيث القدرات الوظيفية وإمكانية تشغيله على مدار الساعة، بل ومن المتوقع في المستقبل القريب أن تتصل الآلات ببعضها البعض وتعقد الصفقات فيما بينها. وذلك في مجمله سيكون له أثر كبير في طبيعة الاتصالات – بين المنتج والمستهلك – في شبكة القيمة المضافة

تعلم الآلة: Machine Learning

نستفيد من هذه التقنية في دعم اتخاذ القرارات الاقتصادية بشكل جديد حيث سيمكن للآلة التعلم من التجربة والخطأ، واستخدام نماذج تنبؤية وإحصائية لاتخاذ القرارات وتأمين المعاملات الاقتصادية

العملات الرقمية المشفرة Digital Cryptocurrency

وتتميز بجميع خصائص المال التقليدي، من نقل أو تبادل لعملات أخرى، واستخدامها في تسديد ثمن المنتج أو الخدمة. وتعتمد هذه العملات في الغالب على تقنية سلاسل الكتل (Blockchain) وأصبحت تلاقي رواجاً مرتفعا حول العالم، حيث أنه لا يمكن عكس أو تزوير العملات المشفرة، وهو ما يجعلها أكثر موثوقية من العملات التقليدية، وكأداة لتقديم القيمة المضافة

هذه أمثلة بسيطة على تكنولوجيات الثورة الصناعية الرابعة والتي أصبحت تدفع العالم والمشهد الاقتصادي نحو تحولات غير مسبوقة. لا شك بأن ما تملكه هذه التقنيات من ممكنات سندخل معها مراحل اللا عودة، ولن يكون بمقدور أحد مقاومة هذا التيار سوى قبوله. فمن سيملك سرعة اتخاذ القرارات والاستفادة مما هو متاح من إمكانات سيكون في صفوف المقدمة، ومن يتخلف عن الركب، ستكون الضريبة جسيمة

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي