(سلسلة مقالات أسبوعية): ما هي سلسلة القيمة (value chain)؟ – المقال الأول

د. م. علي محمد الخوري

مقال نشر في الأهرام بتاريخ 28 مارس 2019

المقال رقم 1

سنبدأ من هذا المقال سلسلة من المقالات تبحث في أهمية الاقتصاد الرقمي ودوره في إنعاش وتنمية الاقتصادات الوطنية، ولا سيما مع ما تحمله التكنولوجيا الحديثة أو ما تم الاصطلاح عليها بالثورة الصناعية الرابعة من إمكانات كبيرة وغير مسبوقة،وخاصة أن البشرية قد بدأت الدخول في عصور ستتسم بالمستقبل بما يمكن تشبيهه بعصر هيمنة التكنولوجيا الرقمية ولا سيما الذكاء الاصطناعي الذي سيدخل في كل نواحي الأنشطة والأعمال وهو ما سنفرد له بهذه السلسة مقالات منفردة.

بداية يجب علينا تعريف ماهية الاقتصاد وطبيعته وكيف يتحقق نموه ومفهوم الكساد والرواج، وقبل الدخول إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا الرقمية في تنمية الاقتصاد، سنتطرق هنا إلى مثالين.

المثال الأول يبين ارتباط الاقتصاد بالدائرة المجتمعية. فإذا ما نظرنا إلى النحل والنمل ككائنات تتميز باحتياجها للعيش الجماعي والتعاون وتنوع الأدوار فيما بينها؛ وهو السبب في وصفها بالممالك (أي مملكة النحل أو النمل)، فنجد أن هناك من النحل من هو مسؤول عن جمع الرحيق من الأزهار، ومنها من هو مسؤول عن تربية اليرقات، ومنهم من هو مسؤول عن الدفاع عن المملكة أو الخلية، ومنها من هو مسؤول عن بناء وترميم الخلية، وهكذا تتنوع الأدوار ليكمل بعضها البعض. ويظهر في هذا المثال تطبيق مفهوم التكامل الاجتماعي لبناء المنظومة الإنتاجية (الاقتصادية)، وهو ما يجسد الاندماج بين الحياة الاجتماعية والانتاجية ليشكلا وحدة صلبة تقوم عليها حياة الكائنات الحية.

ثم نأتي إلى المثال الثاني. في الماضي كانت التجمعات السكانية كالقرى بمثابة المساحة الجغرافية التي تحتوي في رقعتها على مثل هذه المنظومات الاجتماعية والاقتصادية، والتي من خلالها تستطيع تأمين وتغطية الاحتياجات والمتطلبات الإنسانية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الموارد المتاحة.

وكان البناء الاقتصادي لمثل هذه القرى تكامليا، فكل مهنة كان ينظر إليها كمكون تكميلي لدورة الإنتاج (بامتهان أفرادها مهن مثل الجزار، والراعي، والتاجر والطبيب والحداد والنجار وهكذا)، وكان الأفراد حينها يتبادلون جزءا من إنتاجهم مقابل السلع التي ينتجها الآخرون.

وقد قام الاقتصاد في الماضي القريب وفق هذ المفهوم البسيط؛ أي على مبدأ المقايضة والمبادلة السلعية أو الخدمية والتي ينظمها مبدأ نعرفه اليوم بالعرض والطلب. وبقدر الحاجة للمادة المعروضة وبقدر وفرتها أو ندرتها، كلما ارتفعت او انخفضت قيمتها التبادلية. وكان كل ذلك، قبل ظهور العملة التي هي أصبحت اليوم تحل محل البديل عن عمليات المقايضة، وهذا التطور كان معبراً عن حالة نضوج فكرية اقتصادية تقيم الحاجة والندرة بالمال، والذ يعد اليوم بمثابة الوعاء التخزيني للقيمة.

ويعتقد الكثيرون اليوم أن المال هو المعبر الحقيقي والأوحد عن الحالة الاقتصادية، وقبل أن نصدق على هذا الاعتقاد أو ننقده، لا بد لنا من تعريف لمفهوم اقتصادي هام وهو مفهوم “القيمة/VALUE”. القيمة هي الناتج عن جهد يستخدم فيه نوع أو أكثر من الموارد – والذي يجد من يطلبه ويقدّر هذه القيمة، وتعد هذه محور العملية الاقتصادية. ويمكننا أن نحدد هذه الموارد إجمالاً بأنها:

  1. الجهد الذي يقدمه العاملون أو الإنسان بشكل عام.
  2. الزمن وهو المساحة الزمنية التي يستغرقها الجهد المبذول لإنتاج المنتج المطلوب.
  3. المعرفة التي يتم توظيفها لإنتاج المنتج، ويأتي ضمنها استخدام أدوات الإنتاج سواء كانت أدوات بسيطة أو معقدة.
  4. الأموال.
  5. الموارد المادية مثل (نتائج التعدين مثل الفحم والنفط والحديد والنحاس والسيليكون – النباتات – الموارد الطبيعية كالأشجار والأخشاب).
  6. المهارة الفنية، ومنها النتائج الترفيهية التي يطلبها المجتمع مثل الفنون والرياضة على سبيل المثال.
  7. ويمكن تطبيق هذه المدخلات الستة على أي عملية يقصد منها انتاج قيمة مطلوبة. ونلاحظ هنا أن المال هو أحد المدخلات في عملية إنتاج القيمة، وبالتأكيد هي أحد أهم المخرجات ولكن لا يشترط أن تباع دوما القيمة مقابل المال، فقد يكون التقدير المعنوي على سبيل المثال هو العائد المطلوب، أو قيمة معنوية مثل الشعور بالأمن وهو منتج الأجهزة الأمنية على سبيل المثال، أو العدالة وهو منتج الحكومات بشكل عام، وهكذا.

من هذا المنطلق فالمال ليس هو المعبر الحصري على القدرة الاقتصادية ولكن يدخل معه أيضا وقبله انتاج القيمة والتي لها من يطلبها، وعلى عكس ذلك، فإن أي منتج من عملية إنتاجية لا يوجد لها من يطلبها فهي لا تدخل في حيز تعريفنا للقيمة، ولا تعبر عن حالة قدرة اقتصادية إيجابية، بل يمكن اعتبارها قيمة سلبية ضارة ومن أمثلتها التلوث او الأمراض التي تنتج عن أنشطة بشرية ولكنها غير مطلوبة.

فما هي إذا القيمة الاقتصادية؟
يمكن اعتبار القيمة الاقتصادية هو كل شيء قابل للتداول (بنفس مفهوم المبادلة والمقايضة بالماضي) بدءا من المنتجات الزراعية والمواد الأولية مرورا بالمواد المصنعة وانتهاء بالخدمات والأفكار والاستشارات، والأعمال الفنية مثل اللحن الموسيقي والمسرحية.اليوم ومع تزايد تعقيد الحياة ودخولنا بعصور الثورة الصناعية الثالثة والرابعة، فإن جهود الموظفين الذين ينفذون إجراءات العمل التي تتكامل مع بعضها البعض لتنتج الخدمة أيضا هي حلقة في سلسلة انتاج الاقتصاد الطويلة جدا وجزء لا يتجزأ من العملية الاقتصادية التي في حال اختفائها (أي الوظائف) ستنشأ حاجة لسد هذا العجز، ومع توفرها سيمكن انتاج المنتج أو الخدمة ومبادلتها بالمال أو بمقابل اقتصادي آخر له قيمة مقبولة ومساوية لعملية التبادل.

وإذا ما نظرنا بعمق أكثر لفهم ما يحدث على المشهد الاقتصادي العالمي اليوم، نرى أن أي منتج أو خدمة أو سلعة أو عقار عند بيعه أو نقل ملكيته فإنه يقع بآخر سلسلة من العمل الإنتاجي والقيم المضافة.

لنأخذ مثالا بسيطاً وهو رغيف الخبز، فأول سلسلته الانتاجية ستقع بمرحلة زراعة القمح وخدمته من المزارع حتى يحصده، ثم ينتقل عبر وسائل النقل، حيث يتم استخلاص القمح وطحنه وتحويله لدقيق وكلها عمليات تصنيعية يتخللها أنشطة تخزين ونقل، وتنتهي بتعبئته ونقله للمخابز، حيث يتم تصنيعه وتحويله لخبز قابل للاستخدام الآدمي، وليباع بصورته النهائية التي نعرفها جميعا وذلك قبل استهلاكه.

وقد مر رغيف الخبز بعشرات المراحل، وبذل عليها قيم مضافة متعددة وتم بيعه عدة مرات سواء على هيئة محصول زراعي أو في صورة حبات قمح أو دقيق قبل أن يباع نهائيا بصورته كرغيف خبز، فأين يقع هذا في سلسلة القيمة المضافة؟ إنه يقع بنهاية السلسلة وهي التي يتم الاصطلاح عليها عالميا بمسمى (Value Chain) وهي التي عرفها الدكتور مايكل بورتو أحد أهم علماء التسويق والاستراتيجية بالقرن الأخير.

البعض يصور إنشاء القيمة المضافة على أنها تتم من خلال سلاسل (طولية) كما هو واضح بالمثال، ولكن في الحقيقة هي أشبه ما تكون بشبكة عنكبوتية معقدة، وذلك لأنه وبالإضافة لخط السلسلة الأصلي الممدود من الزراعة وانتهاء بعملية الخبز، إلا أنه ما يتخلل بالوسط من دخول لعمليات أخرى تتقاطع مع السلسلة الأصلية عرضيا مثل عملية النقل والتسويق وغيرها، تعد خطوط نهاية لمنتجات أخرى مثل منتج صناعة المركبة نفسها وعملية تكرير النفط وبيعه من خلال محطات وقود، وبدون هذه الخدمات والمنتجات لم يكن ممكنا لعملية الخبز أن تنتهي بوصولها إلى مستهلكيها.

الوقود كمنتج كان يقع في آخر مرحلة لسلسلة القيمة المضافة التي بدأت باستخراج النفط وتخزينه ثم تعبئته بناقلات النفط ثم نقله لمصافي التكرير ثم إعادة التوزيع والنقل والتخزين وصولا لمحطة تزويد الوقود، وهذه المركبة هي نفسها كانت آخر نقطة بسلسلة إنتاجية اقتصادية أخرى شارك بها العديد من المصنعين والمهندسين والمصممين وانتهاء بتصنيع المركبة.

هذا المثال يمكن التوسع به والدخول بكل منتج تقاطع مع هذه السلسلة ليندمج معها عرضياً. وهذا يعني باختصار بأن المعاملات الاقتصادية جميعها تتقاطع بشكل أو بآخر وتتكامل، بما يجعلها تبدو كشبكة من العلاقات المتكاملة والمتداخلة والتي بدونها لا تكتمل القيمة الاقتصادية.

وخلاف ما كنا نراه بالواقع الاقتصادي القديم، حيث كانت القرى مكتفية ذاتيا وتقع كافة مكونات الإنتاج وشبكتها الاقتصادية بداخلها تقريبا، إلا أن اليوم تمتد الشبكة الاقتصادية لتغطي سطح الكوكب بأكلمه، بل وأصبحت الاعتمادية المتبادلة اليوم بغاية التعقيد والاتساع وهو ما يأمنها ويقلل فرص حدوث العجز أو ندرة الطالب للقيمة التي تم انتاجها، وهو ما من شأنه تعزيز فرص الرواج كمصطلح تجاري. والرواج أحد أسرار القوة الاقتصادية ولا يقل أهمية عن القيمة إذ يعبر عن حالة انتقال القيمة عبر سلسلة الإنتاج ووصولا ليد المستهلك والجهات الطالبة لها، وبتوقف هذه الحركة والانتقال، تحدث ظاهرة الكساد، وخطورته أنه يساوي انعدام القيمة.

التطور التكنولوجي المتسارع مكن اتساع رقعة الشبكة الاقتصادية وتعاظمت معها القيمة وكنتيجة حتمية للثورة الصناعية الثانية ثم الثورة الصناعية الثالثة. ولكن ومن دون شك، فإن الدور الذي ستلعبه الثورة الصناعية الرابعة من شأنها أن تحدث تأثيرات كبيرة على المشهد الاقتصادي والاجتماعي العربي والعالمي قد تتجاوز ببساطة مخيلاتنا البشرية. فماذا من الممكن أن يكون دور الاتصالات الرقمية والتطبيقات الذكية في دعم تقارب نقاط انتاج القيمة على هذه الشبكة؟ هذا ما سنتحدث عنه بالمقالات القادمة بإذن الله تعالى.

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي