(سلسلة مقالات أسبوعية): اتفاقيات الدول العربية لتسهيل وتطوير التبادل التجاري – المقال الثالث، نهاية السلسلة

Share On:

د. م. علي محمد الخوري

مقال نشر في الأهرام بتاريخ 21 مارس 2019

المقال رقم 3 والأخير في هذه السلسلة

ما هو السبيل للسوق التجاري العربي المشترك؟ هل نحن على الطريق وهل هناك خارطة طريق واضحة أمامنا وأمام المسؤولين عن التجارة والاقتصاد بالدول العربية نسير عليها للوصول لهذا الهدف المشترك؟

سنحاول بهذا المقال تسليط شعاع من الضوء على هذه المسيرة لنستقرئ منها العبر والدروس وكيف نستكمل طريقنا ونحقق هذا الهدف.

أبرمت الدول العربية، في عام 1981، اتفاقية لتسهيل وتطوير التبادل التجاري، وهو أول إطار تعاقدي يهدف إلى تنفيذ المبادئ الأساسية الواردة في وثائق استراتيجية العمل العربي الاقتصادي المشترك وميثاق العمل الاقتصادي الوطني. ومع ذلك كان الاتفاق خالياً من إجراءات تحرير التجارة والآليات المترتبة على تنفيذ هذا المطلب لاستكمال عملية التعويض، وتحقيق التوزيع العادل للمكاسب الناتجة عن تحرير التجارة البينية العربية، وهو ما أدى إلى عدم تفعيل الاتفاق. ثم أعقب ذلك توقيع اتفاقية مماثلة لضمان حرية حركة سوق العمل بين الدول العربية، غير أن القصور في تنفيذ الآليات والأنشطة التفصيلية في كل دولة على حدة ظل سببا يمنع تحقيق أهداف التكامل الاقتصادي العربي المتجسد في اتفاق الوحدة الاقتصادية، وميثاق العمل الاقتصادي الوطني، وإستراتيجية العمل العربية المشتركة.

والملاحظ أن معظم الدول العربية قد ركزت حواراتها البينية على تطوير الجهود والإجراءات المبذولة لتسهيل حركة رأس المال والسلع، والأحكام المنظمة لاستثمارات رأس المال العربي في الدول العربية، وتوفير ضمانات ضد المصادرة أو الحجز القسري، وإجراءات التعويض الأخرى، والتأمين على الأموال المستثمرة، وضمانات تسوية المنازعات، وأقيمت لهذا الغرض محكمة الاستثمار العربية في عام 1986؛ وهو ما تم بلورته عمليا وتمثل في إبرام اتفاقية عمّان العربية للتحكيم في عام 1987.

ثم أعقب ذلك إنشاء منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى في عام 1997، والتي تم تفعيلها عام 2005. ورغم نجاح هذا المشروع بشكل نسبي في السنوات الخمس الأولى إلا أن مسيرة العمل العربي المشـترك ظلت محدودة النتائج وقاصرة عن تلبية آمال الشعوب العربية التي ترى أن التعاون العربي ما زال بمستويات أقل مما ينبغي أن يكون عليه. ففي دراسة ميدانية أعدها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات عام 2013، جاءت نسبة الإجابات في آراء الشارع العربي ومن أقطار عربية مختلفة متشككة وناقدة وغير راضية عن مستوى التكامل الاقتصادي العربي بنسبة 65%.

وتلخيصاً لما سبق فإن خارطة طريق التكامل الاقتصادي الشامل ارتكزت على عدة محطات رئيسية وهي:

  1. إنشاء منطقة التجارة الحرة، وفيها يتم إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية، وهذه المرحلة ما زلنا بها ولم يتم إنجازها بشكل مُرضٍ حتى الآن.
  2. إنشاء الاتحاد الجمركي، وفيه يتم وضع تعرفة مشتركة او متفق عليها للسلع الواردة من خارج الاتحاد، وهذه المرحلة لم نصل إليها بعد وإن كانت هناك محاولات ثنائية لتطبيقها على بعض السلع وخاصة بدول مجلس التعاون الخليجي.
  3. مرحلة السوق المشتركة، وفيها يتم تحرير حركة رؤوس الأموال وسوق العمل بين دول السوق المشتركة وهذه المرحلة لم تبدأ بعد.
  4. مرحلة الوحدة الاقتصادية، وتستهدف توحيد السياسات المالية والنقدية وإصدار العملة الموحدة، وهذه المرحلة لم تبدأ بعد أيضاً.

ويتضح من المراحل الأربعة الرئيسية، أن الوطن العربي مازال المرحلة الأولى لم يتجاوزها! وهناك محاولات ثنائية لبعض الدول للدخول بالمرحلة الثانية بشكل محدود، ومن ثم لم تبدأ أي ملامح لبدء المرحلة الثالثة فضلاً عن الرابعة، وهي ما تمثل الهدف الحقيقي المنشود.

تعليقنا على هذه المسيرة التاريخية وقراءة الجهود ومتابعة اللجان التي ظلت تعمل طوال أكثر من ثلاثين عاما لتفعيل ووضع اتفاقية التجارة العربية الحرة موضع التنفيذ الكامل والسلس، أنها لم توصلنا للنتائج المستهدفة، ومالم تتغير آلية العمل فلن تتغير النتائج ولو انتظرنا ثلاثين عاما أخرى بل وستزيد، فهل نحن مستعدون الآن للقول أن طريقة عمل تلك اللجان لن توصلنا لأهدافنا؟

إن آليات التكامل التجاري والجمركي والربط بين السلطات العربية ومتطلبات التحقق من المنشأ ونسبة التصنيع المحلي ومعالجة شكوك إعادة التصدير وما إلى ذلك من أطروحات عطلت هذه المسيرة يمكن حلها باستخدام التكنولوجيا ومفاهيم الحكومة المفتوحة، وهذا الطرح اليوم أصبح ممكناُ بسبب التطور التكنولوجي الذي لم يكن متاحا بالأمس، فهل تعيد لجان المتابعة الاقتصادية العربية قراءة الواقع في ضوء هذه المعطيات الجديدة؟

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي