(سلسلة مقالات أسبوعية): الواقع العربي وأهمية تبني استراتيجيات تغييرية جذرية – المقال الثاني

Share On:

د. م. علي محمد الخوري

مقال رقم 2 – نشر في الأهرام بتاريخ 14 مارس 2019

المخاطر والتحديات المشتركة التي تواجهها البلدان العربية تمثل التنمية الاقتصادية أكبر الهموم والصعوبات التي تعاني منها الدول العربية اليوم وهو ما يفرض ضرورةَ التكامل العربي من أجل بناء كيان اقتصادي كبير وموحد وهو السبيل الوحيد لتحقيق شروط النهوض والمنعة.

ورغم كل ما قد يبدو للعيان من خلافات أو نتائج تاريخية لا تبشر بالكثير من وراء هذه الدعوة للتوحد الاقتصادي، إلا أن القراءة الواقعية تؤكد أنه يوجد لدينا ما يعزز فرص نجاح هذا التكامل كمقومات تتفرد بها البلدان العربية مَيَزّتها عن غيرها من التكتلات الكبرى، تأتي في مقدمتها: الدين، واللغة المشتركة، والثقافة، والتاريخ، والتقارب الجغرافي.

دعونا بالبداية نسلم بأن إستراتيجية العمل العربي المشترك تكمن أهميتها في أنها تهدف في أقصى آمالها إلى صيانة الأمن القومي بمختلف أبعاده، وتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية؛ لتحقيق التنمية الشاملة المتوازنة، والاعتماد القومي على الذات.

والمنشود هنا هو التكامل الشامل والتعاون الفعّال من أجل تجاوز عقبات التنمية، ضماناً لتحقيق الحصانة الذاتية للأمة. ويُقصد بالتكامل الشامل في هذا السياق: أنه التكامل الذي يفي بأغراض التنمية الشاملة؛ تمييزاً له عن التكامل الاقتصادي المجرد، وهو ما يضيف أبعاداً اجتماعية وثقافية ووطنية إلى البعد الاقتصادي؛ لكي يكون باعثا لإطلاق الإبداع بمعناه الشامل، أي: الإبداع المعنوي ببعديه: المعرفي، والثقافي، والإبداع المادي ببعديه: الاقتصادي والعمراني – كتأسيس التكامل الصناعي والزراعي وبناء المدن الجديدة ومنشآت الطاقة وغيرها.

تقليديا نجد أن ما سبق طرحه من محاولات لتوحيد القدرات الاقتصادية العربية قد وجه بشكل كبير نحو التكامل الاقتصادي بمفهومه المادي فقد توصلت الدول العربية عام 1953، إلى أول اتفاقيتين للتجارة في إطار جامعة الدول العربية، كانت الأولى لتسهيل التجارة وتنظيم تجارة الترانزيت، والأخرى لتسديد المعاملات التجارية ونقل رأس المال. وفي عام 1957 ، وقعت الدول العربية اتفاقية الوحدة الاقتصادية، وحرية تنقل الأشخاص ورأس المال، وحرية تبادل السلع والمنتجات، والإقامة، والعمل، وممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية استخدام وسائل النقل والموانئ والمطارات المدنية، وإقرار حقوق الملكية، وكذلك تنسيق السياسات الاقتصادية وسياسات التجارة الخارجية؛ من أجل ترسيخ مواقف دول مجلس الوحدة الاقتصادية العربية  تجاه التغيرات السياسية والأمنية في المنطقة والتطورات في الاقتصاد العالمي، لتحقيق الأهداف الاقتصادية الخاصة بالدول الموقعة على الاتفاقية عن طريق إبرام اتفاقيات تجارية وإجراء مبادلات اقتصادية مع بعضها البعض ومع الدول الأخرى انطلاقا من مفهوم تنسيقي مشترك”.

وفي أعقاب التوقيع على اتفاقية الوحدة الاقتصادية، ونتيجة للعقبات التي واجهتها في تنفيذها والثغرات في هياكل الإنتاج وأنماط الاستهلاك العربي، جددت الدول العربية التزامها في عام 1980 باستكمال مسارات التكامل الاقتصادي العربي بالتوقيع على ميثاق العمل الاقتصادي الوطني. وشدد الميثاق على ضرورة التقيد بمجموعة من المبادئ التي تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الوطني والاعتماد الجماعي على الذات.

كما دعت إلى تحقيق المواطنة الاقتصادية العربية، وتقليص الفجوة في التنمية والدخل بين الدول العربية، وضمان الحرية الكاملة لحركة العمال العرب وحقوقهم في مجالات التعليم والتدريب، وتسهيل نقل الكفاءات داخل العالم العربي، والاستفادة من المهارات الموجودة خارجها، بالإضافة إلى استثمار القوة الاقتصادية العربية لخدمة القضايا القومية العربية.

وهكذا نجد أن المبادرات الوحدوية الاقتصادية العربية قد تتالت وبشكل مطرد وتوجت باتفاقية التجارة العربية الحرة، ومع ذلك فإن كل تلك المبادرات والمشاريع الاقتصادية الوحدوية لم يشعر بها المواطن العربي ولم تنعكس في الحياة الاقتصادية العربية ولم تسبب له الحصانة التاريخية والأمنية المطلوبة، ولو قارناها مع المشروع الاقتصادي الوحدوي الأوروبي فسنجد المفارقة صارخة وكبيرة حيث قد وصلت المشاريع الأوروبية المشتركة والتكاملية لأوجهها وظهرت بشكل جلي في ارتفاع مستوى المعيشة وشعور المواطن الأوروبي بنتائج هذه الوحدة الاقتصادية والتكامل الأوروبي الشامل والذي نجحوا في تفعيله رغم اختلافاتهم الثقافية واللغوية والتاريخية الكبيرة، وبنظرة مقارنة بسيطة سنجد أن ثلثي التجارة الأوروبية الخارجية البينية تمثل أكثر من 66% من إجمالي التجارة الخارجية الأوروبية في حين أن التجارة العربية البينية لا تزيد كثيرا عن 10% من إجمالي التجارة الخارجية، إذن فنحن حتى اليوم لم نختبر قدراتنا الحقيقية ولم نتمتع بالمزايا والفرص الحقيقية التي يمثلها السوق السكاني الكبير والمتمثل بأكثر من 400 مليون إنسان، وقبل أن نطرح السؤال البديهي عن أهمية فتح الباب للاستثمارات الكبيرة وفتح الأسواق العربية وإزالة العراقيل والبيروقراطية والسياسات الحمائية التي تقف حجر عثرة أمام السوق العربي الموحد فلنتذكر جميعا وحتى لا نكرر التجارب التي بدأناها من سبعين عاما ومستمرة حتى اليوم، دعونا نتذكر أننا لم نجرب تفعيل التكامل الاقتصادي الشامل والذي لا يقتصر على العمران والصناعة والزراعة بل يشمل التكامل المعرفي والثقافي والعلمي، فاليوم أطل علينا الاقتصاد بمفاهيم جديدة تدمج كل تلك المفاهيم وتعتبر المعرفة والمعلومة والإنسان والتكنولوجيا هي الثروة الأهم على الإطلاق. فهل نرى قريبا مشروعا عربيا مشتركا لتنمية الانسان معرفيا وتكنولوجيا؟

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي