(سلسلة مقالات أسبوعية): الواقع العربي وأهمية تبني استراتيجيات تغييرية جذرية – المقال الأول

Share On:

د. م. علي محمد الخوري

المقال رقم 1- نشر في الأهرام بتاريخ 7 مارس 2019

بلا ريب، فإن واقعنا العربي اليوم ليس هو الأفضل، ولا ما سبقه بالماضي القريب قبل أحداث ما تم الاصطلاح عليه بمسمى الربيع العربي وما صاحبها من اضطرابات أمنية ألمت بمجموعة من الدول العربية، وهي التي اندلعت شراراتها الأولى بمطلع العام 2011،

وما زال أوارها يرسل شرره لكثير من المناطق العربية بصورة أو بأخرى، وهي الآثار التي لا تخطئها العين ويمكن رصدها بجميع الدول العربية وإن كانت بدرجات متفاوتة. سيجد المتأمل لأحوال الدول العربية بالسنوات الثمانية الأخيرة أنه حتى الدول التي لم تعاني مباشرة من ثورات داخلية قد تأثرت سلبا بهذه المتغيرات، فما بالك بالدول التي عانت منها مباشرة؟

من المنظار الاقتصادي البحت سيكتشف المتابع أن هذه الثورات والاضطرابات قد أفرزت آثاراً سلبية على الدول التي وقعت بها بشكل خاص، وعلى الدول المجاورة أيضا وإن كانت بصورة أقل، بل وتركت ظِلالاً كثيفة وثقيلة أعاقت حركة التقدم والتطوير. ولا نبالغ إن قلنا بأن هذه الاضطرابات أوقفت التاريخ عند نهاية العقد الأول من القرن الحالي، بل وأوصلت البلدان المتأثرة مباشرة والتي استمرت فيها الحروب الأهلية أو القلاقل الأمنية والتدخلات الخارجية لما قبل عصر الحداثة، وأهالت العديد من الأزمات على الدول المجاورة والدول خارج المنظومة العربية التي استقبلت الملايين من المهاجرين العرب من الدول التي تعاني من هذه الأزمة.

إن كانت هذه المقدمة تقرر واقعا حقيقياً معاشاً وملموساً، إلا أنه لا ينبغي لها أن تدفعنا لليأس والقنوط والاستسلام لهذا المصير، بل إننا نراها فرصة لتحقيق نقلة تاريخية وتغييرات جذرية، حيث أن هذ الواقع يفرض على القادة والحكومات والسياسيين والاقتصاديين العرب واقعاً ملزماً للعمل على حل هذه المشكلات وأسبابها، وإيقاف النزيف الأمني والخسائر البشرية والمادية والمعنوية من أجل الدخول إلى مرحلة ما بعد الاستقرار وبدء إعادة الإعمار. وبلغة التخطيط الاستراتيجي فإننا لدينا غاية استراتيجية أساسية وهي تحقيق الاستدامة التنموية والرخاء الاقتصادي، ومن أجل الوصول لهذه الغاية يجب على القادة العرب تبني أهداف مرحلية عاجلة تعزز الاستقرار الأمني وتجعله واقعا ملموسا يستشعره المواطن العربي ما كان اختياراً بالأمس أضحى ضرورة اليوم، فضرورة إطلاق مشروعات إعادة البناء وما تمثله من نقلة نوعية وكمية هائلة، سترفع مستوى جرأة صانعي السياسات والقرارات، وتدفعهم نحو تبني سياسات وإجراءات جسورة توصل الواقع العربي الحالي نحو التغيير الجذري العميق وتخلق قابلية لدى الشعوب؛ لتأخذ على عاتقها فاتورة إعادة البناء خروجاً من عنق الزجاجة، وتطلعاً لواقع أفضل ومستقبل مشرق منافس يتيح للأجيال القادمة الاستفادة من تلك الخطط والبرامج؛ ولتنهي صفحة مؤلمة من التاريخ العربي التي حفلت بالكثير من الخسائر والأضرار المادية والمعنوية، وتنظر للغد بشكل أكثر إشراقاً وتتوقع الأفضل.

وبالرغم أيضاً من الآثار المدمرة التي نجمت عن تلك الأحداث، والفاتورة الباهظة التي دفعتها الدول والإنسانية، وتحمل العالم عواقبها، إلا أننا نؤمن بأننا قد دخلنا مرحلة لابد معها أن نُغيّر اتجاه البوصلة نحو التطوير وإعادة البناء في المنطقة العربية بشكل تكاملي.

وعلى الرغم من كل العراقيل والصور المظلمة للواقع العربي، إلا أنه لا بد لنا التمسك بالإيجابية والرجوع للسنة الكونية الأزلية التي تؤكد أن التحديات الكبيرة والعملاقة غالباً ما تقود الإنسانية نحو التطور بعد القراءة الجيدة للعبر والدروس والاستفادة منها؛ لمنع تكرار أخطاء الماضي، وتحسين الأوضاع المستقبلية.

إن هذا التحدي الكبير لحري به أن يستنهض أقصى درجات التعاون والعمل المشترك بين الدول العربية في مجالات التخطيط والتنفيذ، للوصول إلى التكامل في الأدوار وتحقيق الأهداف. ومن دون ذلك، فإن واقع ومستقبل المنطقة العربية سيكون رهناً بتجارب ستقتصر على ضربات الحظ!

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي