التنمية المستدامة والاقتصاد

مقال نشر في أموال الغد بتاريخ 3 يناير 2019

بالرغم من أهمية التنمية المستدامة التي لم يخالفها عاقل واتفقت عليها كافة دول العالم كأولوية ضرورية لحفظ الحياة والنوع البشري بشكل كريم على هذا الكوكب، فإن الالتزام الفعلي التطبيقي بالعالم غير مرضي، بل ويتراوح مداه في دول العالم إلى دون المستوى المقبول، وإن كان الظاهر والمُرّوج له غير ذلك. ووفقا للنتائج المتحصلة في التقارير الدولية، فإن أغلب دول العالم وحكوماتها وشعوبها لم تصل بعد لمرحلة النضج التطبيقي في ميدان التنمية المستدامة.

وبتأمل الأسباب التي تبطئ بعض دول العالم عن الاندفاع في تطبيق استراتيجيات الاستدامة البيئية هو تكلفة فاتورة التغيير الابتدائية، وغالباً تقع هذه التكاليف خارج أطر الموازنات المالية المرصودة من خلال تلك الحكومات لمشاريعها التنموية السنوية، والتي غالباً ما نجد أن هذه الحكومات لديها مشاكل تمويلية وتعاني من تحديات كثيرة للوفاء بالحد الأدنى من التزاماتها، مما يجعل فكرة ضخها لاستثمارات جديدة تكاد تكون أمراً عسيراً يصعب تحقيقه.

فعلى سبيل المثال لو راجعنا مشاريع التحول نحو الطاقة البديلة، نجد أنه نظراً لارتفاع تكلفة انتاج الطاقة من المصادر المتجددة مثل الشمس – وخاصة أنه لا يجب إغفال سعر الأرض المخصصة للمشروع – أعلى من تلك المنتجة من خلال مصادر أحفورية مثل محطات الفحم والمازوت، وهو ما يستدعي فوراً للذهن فكرة أن الاستثمار نحو الاستدامة البيئية ستتطلب مزيداً من الموارد المالية المطلوبة، وهو ما يمثل مزيداً من الضغط على اقتصاديات الدول.

ونظراً لعدم امتلاكنا رفاهية التهاون في التحول العالمي نحو التنمية المستدامة ولا سيما التنمية الاقتصادية، فيجب إعادة النظر في آليات العمل الاقتصادي المستدام، والذي يمكن من خلاله تعظيم العوائد على الاستثمارات وتوجيه القروض نحو الانشطة الانتاجية المرتبطة ببعض أهداف التنمية المستدامة الأممية والتني تم تبنيها من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أي من خلال قادة الغالبية العظمى من دول العالم والتي من ضمنها على سبيل المثال: “تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والمطرد والشامل للجميع، وتوفير العمل اللائق للجميع”.

المؤكد أن النمو الاقتصادي المطرد والشامل سيدفع بعجلة التنمية عن طريق توفير المزيد من الموارد للتعليم والصحة والاستهلاك الشخصي والبنية الأساسية للنقل والمياه والطاقة. أيضاً سيساعد النمو الاقتصادي على إضافة فرص عمل جديدة. غير أن الحفاظ على نمو اقتصادي حقيقي مرتفع ليس بالأمر اليسير، كما نلاحظ أنه لم يتمكن سوى بضعة قليلة من البلدان من الاستقرار باستمرار حول معدّل النمو السنوي البالغ 7 في المائة كمستهدف للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. وعلاوة على ذلك، فإن النمو الاقتصادي ليس بالضرورة مستداماً عندما تستنفد البلدان مواردها الطبيعية من أجل النمو الاقتصادي، وبالتالي تنقل عبء التدهور البيئي والأضرار البيئية إلى الأجيال المقبلة، فهل هذا أمر مقبول؟

د. م. علي محمد الخوري

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي